يحيى السعود .. من حي الطفايلة إلى تصدر عناوين CNN
أخبار البلد – سعد الفاعور – من بين جنبات أحد أهم وأقدم أحياء عمان الشرقية، العاصمة، واللبنة الأولى للدولة الأردنية، التي تؤرخ لحقبة سياسية وتاريخية مختلفة تماماً عن حقبة عمّان الغربية، بحلتها السياسية الراقية، برز اسم يحيى السعود.
من داخل جنبات وأرصفة وشوارع "حي الطفايلة" تحديداً، صعد نجم السعود، نائباً وصوتاً سياسياً فاعلاً ومؤثراً، له شعبية طاغية، رجح مراقبون كثر، أن يكون في ظل توازنات عمان ما بعد "وادي عربة"، نهجاً مغايراً للسياسي المعارض اللامع ليث شبيلات، وهو ما كان.
تمكن السعود، برافعة عشائرية منفتحة على رافعة حزبية يمينية غير معلنة، من الموازنة بين المعارضة والموالاة، دون أن يقطع الشعرة الرفيعة التي تجمع بينهما، وهو ما منحه الأفضلية، على مواطنيه شبيلات، ذو الأداء الحاد والعدائي، والآخر، عبدالله العكايله، المحافظ وصاحب الإيقاع الكلاسيكي في الأداء.
لطالما عُرِفَ الرجل بأنه مثير للجدل، وحاد الطباع، ومعارض شرس للحراك الإصلاحي، وسياسي شعبوي غير نخبوي. ارتقى إلى سدة النجومية، بعد الشجار العابر بينه وبين زميلته النائب السابق، هند الفايز، التي أصر عليها بأن تجلس وأن تتوقف عن الكلام، قائلاً لها:"اقعدي يا هند"!
اليوم لا يكاد يذكر اسم يحيى السعود، إلا وتذكر معه متلازمة "اقعدي يا هند" التي شغلت الرأي العام الأردني والعربي، وأحدثت حراكاً عاصفاً هو في حقيقته ليس بين يحيى وهند، بقدر ما كان يعبر عن حراك خفي بين جبهتين أو تيارين سياسيين متناقضين، على صعيد الحريات والتمثيل النسائي والقوانين الداخلية، وحتى على صعيد الموقف من قضايا عربية وإقليمية!
استغرق الأمر وقتاً طويلاً، قبل أن يتمكن السعود من طي صفحة النسيان لحادثة "اقعدي يا هند"، وقد ساعده في ذلك خسارة النائب السابق هند الفايز مقعدها النيابي، وخروجها من المشهد السياسي والبرلماني. إلا أن الرجل المثير للجدل، والمشهور كثيراً بنهج "المباطحة" واللجوء إلى المشاجرات مع زملائه النواب، عاد واستأثر بالأضواء الإعلامية من جديد.

هذه المرة، تجاوزت شهرة السعود، حدود الإعلام المحلي والعربي، وتصدر الرجل عناوين وشاشات شبكة (سي إن إن) الأميركية، وعناوين شبكة (بي بي سي) البريطانية، وغيرهما من الوسائل الإعلامية الدولية، بعيد حادثة مقتل مواطنين أردنيين في السفارة الإسرائيلية في الرابية، على يد ضابط أمن إسرائيلي، استفاد من حصانته الدبلوماسية ولم يخضع للمحاكمة أردنياً!
السعود، دخل على خط الأزمة، عندما اشتبك مع النائب في الكنيست الإسرائيلي، أورون حزان، الذي تحدث عن الأردنيين بلغة صفيقة ووضيعة، تخلو من الكياسة الدبلوماسية. فوجه السعود إلى حزان دعوة مبطنة بالتحدي المعلن والصريح، يطلب فيها من الأخير ملاقاته على جسر الملك حسين، المعبر الحدودي الذي يربط بين الأردن وفلسطين المحتلة، لـ "مباطحته".

الدعوة، لم تخلُ من لغة التحدي، لاسيما وأن السعود أرفق دعوته إلى حزان للقائه ومباطحته عند الجسر، بعبارة "إن كنت رجلاً". مضيفاً "لم يكن بوسعك أن تتفوه وتتلفظ بما قلته عن الأردنيين، لو لم تكن أميركا تقف خلفك وتوفر لك الحماية".
ما أن تفوه السعود بهذه العبارات، حتى انطلقت الشرارة التي أشعلت محركات البحث عبر شبكة الانترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمحطات الإخبارية الإذاعية والتلفزيونية، ومواقع الإعلام الرقمي الإلكتروني. وهو ما نجم عنه ارتدادات سريعة، أجبرت النائب الإسرائيلي على إعلان موافقته لخوض المواجهة أو المباطحة!

وعبر شاشات التلفزة العالمية، ومن خلال عناوين ومانشيتات صدر صفحات أبرز وسائل الإعلام العالمية، صارت "المباطحة" المنتظرة بين السعود وحزان، واحدة من أكثر المواد الإخبارية "سخونة" وندرة وطرافة، ومادة إعلامية شديدة "الدسم"!
ورغم أن "المباطحة" لم يقيض لها أن تتم، بعدما منعت الشرطة الأردنية السعود من قطع الجسر باتجاه غرب النهر، وبعدما أمر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، عضو الكنيست حزان، بالعودة، وعدم الاشتباك مع السعود، إلا أن فصول القصة لم تقف عند هذا الحد. فقد جرى تسريب فيديو، مكالمة بين السعود وحزان، يوضح فيها الأخير، أنه يرغب في التواصل مع السعود، للعمل سوياً من أجل التقريب بين الشعبين الأردني والإسرائيلي، ومحاربة العنف وتعزيز مسيرة السلام.
السعود، كان حاسماً في رده، واشترط قبل أن يكشف عن موقفه من اقتراح حزان، أن يبادر الأخير إلى الاعتذار من الشعب الأردني أولاً وقبل كل شيء، أو أن يحدد أي مكان في العالم لكي يلتقيان ويتباطحان فيه، وإن لم يفعل ذلك فهو سوف يغلق الهاتف.
وما بين شد وجذب، وتبادل للحوار مرة بالعبرية وأخرى بالانجليزية، بوجود مترجم، وإعلان السعود أنه لا يجيد الإنجليزية، ورفض حزان الاعتذار، وكذلك لقاء السعود لمباطحته، بأي زمان ومكان، تم وضع النقطة الأخيرة على سطر واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام، واستحوذت على أهم عناوين شاشات التلفزة العالمية والإقليمية والمحلية!

السعود، الذي يشغل منصب رئيس لجنة فلسطين النيابية، لا شكّ أنه نجح في زيادة جماهيريته وشعبيته، والظفر بهالة إعلامية كبيرة، لكن المؤكد أيضاً أنه لم يهنأ كثيراً بذلك، فسرعان ما خرجت مواقع إخبارية وصفحات تواصل اجتماعي، لتذكر بأن الرجل، ليس إصلاحياً، وأنه لعب عام 2012 دوراً بارزاً في إفشال مساعي النائب السابق أحمد الشقران، الذي أعد تقرير لجنة التحقيق النيابية حول بيع شركة الفوسفات.
آخرون، استدعوا واقعة "اقعدي يا هند" متعللين بأنها شاهد على تيار النمط الأحادي لبعض النواب الرافضين تمكين المرأة ومنحها دوراً فاعلاً في الحياة السياسية، والذي يمثله السعود. قائلين "إن الرجل ظاهرة صُعِّدَتْ قصداً لملء فراغ سياسي وحزبي وبرلماني بالساحة الأردنية".
البعض لفت إلى أن الرجل وإن كان اسمه مرتبطاً ببقعة جميلة وذات عمق ورمزية من خريطة الوطن الأردني، والجنوب الأشم، الذي كان على الدوام، ولاداً لرموز المرحلة، إلا أنه لا يجب أن يغيب عن البال أن الرجل يشتهر بحب المناكفة والتلاسن مع الجميع، وأنه كثير التنقل بين جبهات المعارضة والموالاة.
وذكر آخرون بواقعة إقدام السعود على تمزيق بيان نيابي كان هو شخصياً قد وقع عليه، وذلك انتصاراً للنواب الذين وقفوا ضد إرادة الشعب في قضية الفوسفات. مذكرين كذلك بأنه أقدم علانية على شتم أمين عام أكبر حزب سياسي في الأردن على مسمع الحكومة والنواب.
ومن المواقف المتناقضة، التي استذكرها البعض للرجل، أنه وفضلاً عن إعلانه لوسائل الإعلام أنه سيحجب الثقة عن حكومة الدكتور عبدالله النسور، فقد عمد في جلسة التصويت إلى منحه الثقة. كما هدد بتقديم الاستقالة بعد قضية قتل الشهيد القاضي رائد زعيتر، ثم تراجع عنها!
