هيئة الإعلام تسير في حقل ألغام .. الهدف المعلن "الحد من الدخلاء" .. ومشككون "نخشى تكميم الأفواه"

أخبار البلد – سعد الفاعور- في ربيع عام 1989، وفي خطاب متلفز للراحل الحسين بن طلال، بعيد الخروج من عنق زجاجة "هبة نيسان"، ومحاولة إحصاء الخسائر والخروج بالعبر، أعلن جلالته، عودة العمل بالحياة البرلمانية، والإفراج عن السجناء السياسيين، ورفع الحظر عن حرية الانتماء الحزبي، داعياً في الوقت عينه إلى عدم المبالغة في كثرة تشكيل الأحزاب، قائلاً "إن الزحمة تعيق الحركة".

الحياة البرلمانية، أطاحت بإرث الأحكام العرفية التي تزامنت مع فرض الإقامة الجبرية على حكومة النابلسي عام 1957، وإن كان للبعض الكثير من التحفظات على عودتها، ووصفها بأنها دورة سياسية قاصرة، يجري التحكم برموزها ومؤسساتها، لتكون مجرد صدى في "برِّية" الحكومة، لكنها دون شك، جلبت معها الكثير من مظاهر الحرية والديمقراطية، خاصة في المجال الإعلامي الذي يمثل عنواناً عريضاً للممارسة الديمقراطية العريقة، كونه انعكاساً لـ "موزاييك" حزبي متنوع المشارب، وتجسيداً لطيف الظل الشعبي بكل تياراته وخصوصياته وتبايناته.

لا شكّ، أن الديمقراطية وعودة الحياة البرلمانية، أنعشت الحياة الصحفية والإعلامية في الأردن، ولم يعد ممكناً إغلاق صحيفة يومية بحجة أمن الدولة، إلا أن هذا لا يعني أن سقف المهنة لم يعد له حدوداً، كما أن سيف "محكمة أمن الدولة" لا يزال مسلطاً على رقاب الصحفيين، الذين يتلمسون أنفسهم، كلما اشتبكوا مع واحدة من قضايا الرأي العام!

ويبدو أن "الزحمة التي تعيق الحركة" التي حذر منها الراحل الحسين، فيما يخص تشكيل الأحزاب، انتقلت عدواها إلى الفضاء الإعلامي والصحفي، وليد الديمقراطية والحياة البرلمانية. ويبدو أن كثرة المواليد الصحفيين والإعلاميين، خالطها فوضى واضطراب في الرؤية وعدم احترام لنصوص وروح الميثاق الصحفي وتقاليد النقابة، المظلة الأم للعاملين بالمهنة، وخاصة فرعها الورقي، الذي يشكل "العهد القديم" بالنسبة للفرع الإلكتروني.

صورة ذات صلة

الإحصاءات تشير إلى أن عدد (المواقع الإخبارية) المرخصة في الأردن يبلغ 202 مطبوعة إلكترونية، بينما إجمالي عدد الموقع بما فيها غير المرخصة بحسب تقديرات لعاملين في القطاع، فهي بحدود380 موقع ومطبوعة إلكترونية. في حين أن قائمة "التوب تن" تقتصر على عدد معين من مواقع الأخبار التي لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، والتي استطاعت أن تثبت حضورها وتأثيرها في الخريطة الإعلامية والصحفية. ولا شكّ أن هذا الرقم الكبير نسبياً مقارنة بدولة مثل الأردن، يسهم في زيادة الزحمة التي تعيق الحركة، ويسهم أيضاً في التسبب بالفوضى الناجمة عن الزحمة غير المقننة والمنظمة!

ورغم اتفاق الجميع على أن التنافسية هي المعيار الكفيل في فرز السيئ والحسن والأحسن، لكن في ظل الفوضى العارمة التي تنجم عن التضارب في المعلومات، واستخدام البعض تلك المواقع كمنصات لترويج الإشاعات والمعلومات الكاذبة، بل وحتى الإساءة إلى شخصيات اعتبارية وفردية، دون تمكن تلك الشخصيات المستهدفة من ممارسة حقها في مقاضاة الجهة المسيئة، في ظل أن بعض المواقع تبث دون ترخيص، وليس لها موقع أو عنوان واضح، وفي ظل الكثير من الممارسات الخاطئة التي تصدر عن بعض المواقع المخالفة، وفتحها الباب أمام الهواة ليتقمصوا دور الصحفي الممارس، فقد برزت الكثير من الأخطاء التي أضرت بسمعة المهنة في الأردن، وهو ما يمكن تلمسه من بيان سابق صدر عن نقابة الصحفيين يدعو إلى محاربة الدخلاء والحفاظ على هيبة ومصداقية الصحافة الأردنية.

في هذا الإطار، وفيما يبدو كما لو أنه السير في حقل شائك مليء بالألغام، أعلن مدير عام هيئة الإعلام، محمد قطيشات عن حزمة متكاملة من الاشتراطات الخاصة بتنظيم عمل المطبوعات الإلكترونية، وهي حزمة استقبلها البعض بإيجابية، ورأوا أنها تحفظ للصحافة الأردنية قيمتها، بينما نظر إليها ناشطون وحقوقيون بعين الشك والريبة، ووصفوها بأنها نوع من القمع المقنن، الهادف إلى "تكميم الأفواه".

الإعلامي علي الطراونة مالك ورئيس تحرير موقع "فيلادلفيا نيوز" رأى أن الصحفي الجاد والملتزم والمؤسسة المهنية لن تهاب حزمة الاشتراطات الجديدة، واعتبر أنها تسهم في تنقية البيئة الصحفية، وتطرد الدخلاء، وتعيد الاعتبار للمهنة، وتمنع الابتزاز واغتيال الشخصية. قائلاً إن العمل المؤسسي حصانة للصحفي وحصانة للمهنة، كما أنه مصدر للنفع المادي الشرعي أيضاً، فالمؤسسة المرخصة تصبح مؤسسة معترف بها ووسيلة شرعية للإعلان المادي المدفوع الثمن، وهذا سينعكس على حصص هذه المواقع من عوائد الإعلان المستقبلية من الفوسفات والوزارات الرسمية وموانئ العقبة وغيرها من شركات القطاع الخاص.

نتيجة بحث الصور عن المواقع الإخبارية

عضو نقابة الصحفيين، وعضو لجنة المهنة خالد القضاة، كشف عن سعي النقابة إلى تحويل المواقع الإخبارية إلى مؤسسات إعلامية، بهدف قطع الطريق على دخلاء المهنة، ووصولاً إلى ضمانات لحرية الصحفيين المهنيين في التعبير وتلمس حاجات المجتمع، وضمان حق المواطنين بالمعرفة. وفي تصريحات سابقة منشورة في وكالة الأنباء الرسمية (بترا) ذكر القضاة أن المواقع الإلكترونية يجب أن تنشط في عملها الصحفي ضمن إطار مؤسسي يسهم في التنمية المستدامة، وبما يسمح لها بأخذ دورها ومكانتها اللائقة في محاربة الإشاعات وخطاب الكراهية، وتبنيها للرأي والرأي الآخر ضمن طروحات مهنية متوازنة، عبر العمل مع مختلف الأطراف، ومن خلال أيضاً التمسك بحرية التعبير المسؤولة، والإسهام في خلق بيئة صديقة للحريات العامة.

القضاة رأى أن تحويل المواقع الإلكترونية من منابر متفرقة لا مظلة تجمعها، إلى مؤسسات صحفية مرخصة، يجعل منها شريكاً فاعلاً بالمجتمع ورافعة أساسية لمهنة الصحافة والإعلام، قادرة على تزويد المجتمع بالمعلومة الصحيحة ومن مصادرها الحقيقية.

وفي الرابع من شهر تموز الجاري، أعلن نقيب الصحفيين راكان السعايدة عن تشكيل لجنة أطلق عليها اسم لجنة "المهنة" وهدفها وضع تصور تنظيمي لمهنة الصحافة بهدف ضبط جميع التجاوزات المرتكبة والتي تفاقمت مؤخراً بسبب تزايد حضور الدخلاء على المهنة. معلناً أنه سيتم إقرار خطة عمل تنظيمية واضحة وإشراك الزملاء في المواقع الإلكترونية لتنفيذ التصورات.

عديد من الناشطين عبر منصات الإعلام الرقمي الجديد سواء المواقع المتخصصة أو الكتاب عبر "فيسبوك" و"تويتر" والمدونون، وبعض ملاك المواقع الإخبارية غير المرخصة، عبروا صراحة عن خشيتهم في كتابات مختلفة من أن يكون الهدف من الاشتراطات التي أعلنتها هيئة الإعلام، هو تكميم الأفواه، وخفض سقف حرية الممارسة الصحفية.

من جهته، رأى الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور أن مطالبة المواقع الإخبارية باستكمال إجراءات الترخيص يشكل قيداً على حرية الإعلام ويمهد الطريق لتمكين الحكومة وأجهزتها من السيطرة على الإعلام الإلكتروني. وفي تصريحات سابقة له، أوضح "أن القرار يتعارض مع التزامات الأردن بحرية الإنترنت وسابقة دولية لا مثيل لها في فرض قيود على الإعلام الإلكتروني".

 

هذه المخاوف أجاب عليها مدير الهيئة محمد قطيشات في تقرير للزميل ماهر الشريدة بثته وكالة الأنباء الوطنية (بترا) أكد فيه ان الاشتراطات الجديدة الخاصة بالمطبوعات الإلكترونية ترتبط بمسألة تنظيمية ولا تمثل سلطة رقابية مسبقة على ما تنشره المواقع. مؤكداً أن "الاشتراطات لن تطبق على المواقع المرخصة وفق أحكام القانون".

قطيشات لفت كذلك إلى أن "الاشتراطات جاءت ضمن مشروع إصلاحي متكامل لقطاع الإعلام بدأته الهيئة بالإعلام المرئي والمسموع من خلال إصدار تعليمات وأنظمة متنوعة ضبطت مهنية القطاع.والهيئة الآن تتجه لاستكمال خطتها الإصلاحية لتمتد إلى المطبوعات الالكترونية".

نتيجة بحث الصور عن المواقع الإخبارية

وأوضح أن "الخطة تستند على حماية الملكية الفكرية للمواد الصحفية وناشريها، وتحقيق المنافسة الايجابية المشروعة بين المطبوعات المرخصة، والتأكد من وجود آلية عمل ضمن أطر مؤسسية ومهنية تحكم هذه المواقع وتضمن التزامها بالقوانين والتشريعات المعمول فيها، إضافة إلى إتاحة الفرصة للمهنيين من الراغبين في الترخيص من المنافسة ضمن اطر مهنية وعادلة بدلا من العمل ضمن اطر فردية".