ماذا حدث بالسفارة الإسرائيلية ولماذا كان الإعلام الأردني مسكوناً بالرعب؟
أخبار البلد - سعد الفاعور
في عصر يوم أمس الأحد، وفيما كان شابان يقومان بما يفترض أنها عملية توصيل روتينية لأثاث خشبي إلى أحد الزبائن، تطور الأمر بشكل متسارع، وخرجت الأمور عن السيطرة، وتحولت المنطقة الراقية في أحد أبرز أحياء عمان الغربية إلى ثكنة عسكرية، في ظل انتشار أمني كثيف.
وعلى أصوات تراشق رصاصات متفرقة، تلتها صافرات إنذار سيارات إسعاف وإخلاء طبي، تجمهرت الحشود، وبدا أن المنطقة لم تعد وجهة لعشاق المقاهي الراقية في عمان الغربية، التي تتوزع بين جنبات وشوارع الحي الدبلوماسي الراقي.
وفيما كان التكتم والحذر "ما فوق المألوف جداً" يلف قيوده الخفية على أيدي محرري الصحف والمواقع الإخبارية الحكومية والخاصة، حتى بدا أن الإعلام الأردني كما لو أنه "مسكوناً بالرعب"، كان الإعلام الإسرائيلي على الضفة الأخرى ينفرد بسرد تفاصيل الحدث!
وما بين "عاجل" و"بريكنغ نيوز" بدأت وكالات الأنباء العالمية تتحدث عن إطلاق نار داخل مجمع خدمي ملحق بالسفارة الإسرائيلية في عمان، وهو ما سمح للوسائل الإعلامية المحلية بتنفس الصعداء، وكانت الرواية الأولى، مفرطة في الحذر، حيث اكتفت واحدة من أهم الوسائل الإعلامية قرباً من مصادر القرار السياسي والأمني بالكشف في خبر عاجل: "الأمن يتعامل مع حادثة في السفارة الإسرائيلية"!
كان جلياً أن التسريبة الأردنية غير مقنعة، وأنه ينقصها الكثير من المعلومات الضرورية لاكتمال عناصر الخبر، لكن فطن الإعلاميون في الأردن، إلى التكتيك الأردني المتعمد، الذي يقوم على إستراتيجية "التدرج" في تسريب المعلومة.
هذا التكتيك جعل الإعلاميون الأردنيون يشيحون بوجوههم صوب الرواية الإسرائيلية. أسئلة عديدة كانت تزدحم بها نقاشاتهم واستفساراتهم: هل تم احتجاز رهائن في السفارة الإسرائيلية في عمّان. ولماذا تأخرت الرواية الرسمية كل هذا الوقت. ما الذي يحدث. ولمَ تم ضرب هذا الطوق الأمني المحكم؟
وفيما كانت الأسئلة التي لا تجد من يجيب عليها، تفرض سيطرتها المطلقة على إيقاع الصحفيين الأردنيين، وتحد من قدرة بعضهم في تحديد من هي الجهة المناسبة التي يمكن اللجوء إليها لكشف التفاصيل وحقيقة ما يجري من أحداث. كانت الوسائل الإسرائيلية تتحدث عن "مقتل 7 أشخاص داخل السفارة بينهم السفير ومنفذ العملية".
وفي إطار التغطية المستمرة، كشفت الوسائل الإسرائيلية أن "منفذ العملية هو أردني يبلغ الرابعة والأربعين من العُمر، ويعمل إداري في السفارة".
وبينما الحيرة تغلف الموقف، والصحفيون "مسكونون بالرعب" والمعلومة المتوفرة مصدرها "إسرائيلي" والجهات الرسمية الأمنية الأردنية تلتزم الصمت. لم يكن هناك الكثير مما يمكن للصحفيين الأردنيين فعله، وهو ما جعلهم يتنقلون بين المصادر الإسرائيلية ووكالات الأنباء العالمية.
كان أمراً سيئاً ومحزناً في العرف المهني، وفي تاريخ الصحافة الأردنية، أن حدثاً محلياً لا يكون الصحفي الأردني هو المؤتمن على نقل تفاصيله للفضاء المحلي والإقليمي والدولي، بل أن يتحول الصحفي المحلي إلى متلقٍ للخبر!
ومرة أخرى، وعبر النافذة الإسرائيلية، شبه الوحيدة المتاحة، والتي تقدم تغطية فورية للحدث، أعلن عن وفاة طبيب أردني يدعى "بشار الحمارنة" متأثراً بجراح أصيب بها خلال الحادثة الأمنية. كما كشف أن المتوفى هو مالك المجمع السكني الملحق بالسفارة الإسرائيلية.
وعلى طريقة التشويق وأفلام الإثارة والحركة، قالت الوسائل الإسرائيلية "إنه يخشى أن تكون قد وقعت مجزرة بين صفوف الساكنين في المجمع السكني من دبلوماسيين وإداريين وملحقين وموظفين وعائلاتهم".
وما بين زعم الإعلام الإسرائيلي "مقتل 7 أشخاص داخل السفارة بينهم السفير ومنفذ العملية" وكذلك الإيحاء بأن الخوف يملك الجانب الإسرائيلي من خشية وقوع "مجزرة" إن لم تبادر القوات الأردنية على وجه السرعة للتدخل وفك الحصار الذي يفرضه "الإرهابيون" على سكان المجمع، ظلت وسائل الإعلام الأردنية "مسكونة بالرعب"!
فجأة، خرج موقع إخباري أردني، وتحدث عن الحادثة باستخفاف ووصفها بأنها "شجار" نشب بين شابين يحملان تصاريح أمنية لتوصيل أثاث خشبي جديد وبين صاحب المجمع السكني.
الرواية لم تكن متماسكة، فقد أعلنت إسرائيل أن مدير وحدة الأمن والحماية في السفارة تعرض إلى طعنة وأنه أطلق النار من مسدسه على المهاجم.
في غضون ذلك، أعلنت وكالات أنباء عالمية عديدة من بينها: "الفرنسية" و"رويترز" و"الأناضول" أن الطبيب المصاب الذي أعلن عن وفاته لاحقاً في المستشفى متأثراً بجراحه التي أصيب بها، هو مالك المجمع السكني المؤجر للسفارة.
وأضافت أنه كان يشرف مع عناصر من أمن السفارة الإسرائيلية على عملية تجديد أثاث المجمع الملحق بالسفارة، عندما بادر أحد شابين كانا ينقلان الأثاث الخشبي الجديد، بتوجيه طعنة إلى مسؤول الأمن الإسرائيلي ليرد الأخير بإطلاق عدة عيارات نارية بعضها أصاب الحائط وبعضها الآخر أصاب المهاجم وبعضها أصاب الطبيب.
وفيما الكل ينتظر المعلومة الصحيحة، تداول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالوا إنها كلمة كتبها السيد زكريا الجواوده، والد الفتى محمد (17 عاما)، الذي طعن الإسرائيلي، وجاء فيها: "حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنّا لله وإنا إليه راجعون".. لا علم لي بشيء مما حدث مع ابني داخل السفارة الإسرائيلية، ابني والسائق كانا يعملان لدى محل للأثاث، وأوصلا طلبية إلى مجمع سكني في محيط سفارة العدو الصهيوني، وبعد الانتهاء من توصيل الأثاث اتصل ابني بي وأبلغني بالانتهاء من العمل، وبعد مرور ساعتين تعجبت من تأخر السائق وابني وعدم وصولهما حتى اللحظة، فاتصلت عليهما، لكن لم يتم الإجابة، ثم اتصلت بحارس العمارة المجاورة وهو مصري الجنسية، وسألته عن ابني وعن السائق، فأجاب بأن ابني والسائق أطلق عليهما الرصاص من أحد العاملين في السفارة وتم إسعافهم إلى المستشفى".
الرواية، لا يمكن التأكد منها، وهي مستوحاة من عالم الفيسبوك، وربما تزيد الشكوك بها، إذا أخذنا أيضاً برواية أخرى، على لسان والد الفتى محمد، يقول فيها الشخص الذي ينقل الرواية على لسان الوالد زكريا الجواودة: "بأنه لحظة اطلاق النار على الفتى محمد والسائق المرافق معه، كان يتواجد في المكان الدكتور بشار الحمارنة، والذي أتى مسرعاً لإنقاذهما فأطلق مسؤول الأمن الإسرائيلي النار عليه".
وفي الرواية الثانية: نجد تفاصيل لافتة، لم تتوفر لأي أحد، ولم تذكرها أي وسيلة إعلامية، منها أن الراوي ينقل عن الأب قوله: "إن ابنه أصيب برصاصتين بصدره، فانتقل إلى جوار ربه بنفس اللحظة"!. فمن أين توفرت للأب هذه المعلومة. وهو لم يتح له رؤية جثمان ابنه كما لم يتم استدعائه من قبل الأمن للتعرف على الجثة!
كان لافتاً أن الفتى محمد الجواودة عمره (16 عاما)، فيما ساهم الصمت الرسمي في انتشار روايات عديدة منسوبة إلى مصادر إسرائيلية، ذكرت أن عمر المهاجم (43 عاما)، وأن مسؤول الأمن الإسرائيلي أصيب في الهجوم بطعنات في معدته. كما كررت الوسائل الإسرائيلية الحديث عن سقوط 7 قتلى، إلى جانب احتجاز رهائن، وأن اطلاق النار بين عناصر حماية السفارة والمهاجمين الإرهابيين لا تزال جارية.
صمت الرواية الرسمية، ساهم أيضاً في بروز سؤال جوهري، وهو: أين اختفى السائق وسط كل هذه الفوضى. فالشاب محمد جواودة تم الإعلان عن وفاته في التو، والطبيب بشار أعلن عن وفاته متأثراً بجروحه، وهما من ذكرت وكالات الأنباء أنهما نقلا إلى المستشفى. لكن السائق للآن، لم يتم ذكره في أي بيان، ولم يعرف إن كان قد أصيب أو قتل أو أنه يحتجز رهائن أو تم اعتقاله من قبل حراس السفارة الإسرائيلية أو من قبل قوات الأمن الأردنية!
السائق، لا أثر له في الرواية، فهو ليس مصاباً وليس معتقلاً، ولم يعد إلى أهله، وعائلة الفتى القتيل الجواودة لا تعلم عنه شيئاً أيضاً!.
من الأسئلة المحيرة أيضاً، هو التناقض الذي بدا سريعاً، بإعلان وفاة الطبيب بشار الحمارنة، حيث ذكرت الجهات الأمنية في أول بيان رسمي صادر عنها بأن حالته مستقرة تماماً. ليتم الإعلان بعد ساعتين فقط عن تدهور وضعه الصحي وإعلان وفاته!
هذه الثغرات وغيرها الكثير، استفزت المتلقي الأردني، الذي عاش مسلسلاً طويلاً من البؤس والإحباط في ظل غياب المعلومة الحقيقية والمباشرة، كما أن هذا السخط وجد طريقه إلى الصحافة الأردنية التي اتهمت بأنها مهادنة للرسمي وقاصرة وغير قادرة على توفير تغطية لائقة بالحدث.
هذه الاتهامات على ما يبدو، دفعت بنقيب الصحفيين راكان السعايدة، للقول: "مفهوم أن تتأخر الرواية الرسمية بشأن سفارة الكيان لحين الإمساك بكل التفاصيل، لكن التأخر في كشف حيثيات ودوافع الحادثة أكثر من اللازم سيفتح الباب على كامل اتساعه للتكهن واختلاق الروايات (...) وهذا من شأنه أن يؤدي، في النهاية، إلى تشويش الرأي العام، وارتباكه، وتعميق قلقه، وانعدام ثقته!".
وفيما كانت الحيرة لا تزال هي المسيطرة، وفي ظل شح المعلومات، وبينما الأردنيون يتساءلون:ما حقيقة تفاصيل حادثة السفارة الإسرائيلية في عمان، ماذا حدث. ولماذا تكتمت السلطات الأردنية. وكيف تضاربت الرواية الإعلامية الأردنية مع الإسرائيلية. ولماذا ظل الإعلام الأردني مسكوناً بالرعب، بينما استفاض الإعلام الإسرائيلي بالتحليل والتأويل وإيراد بيانات عديدة عن طبيعة الهجوم، ووصفه بالإرهابي، وعن عدد الجرحى والقتلى والرهائن وعن أعداد المصابين، صدر بيان عن مديرية الأمن العام، في وقت متأخر جداً، بالمقارنة مع وقت وقوع الحادثة، ثم أتبعته ببيان إضافي تراجعت فيه عن وصف حالة الطبيب الحمارنة بـ "المستقرة" لتؤكد نبأ وفاته، معللة تواجده في المكان بحكم ملكه للمبنى السكني.
فصول القضية لم تنته بعد، ومن الصعب التكهن، كيف سيتم إقفال هذه القضية الحساسة، رغم اتفاق شريحة واسعة من الأردنيين بأن دماء الفتى الجواودة ستذهب هدراً كما ذهبت من قبل دماء الشهيد القاضي رائد زعيتر.
وبينما سارع أهالي الفتى الشهيد الجواودة بالطلب من السلطات فتح تحقيق نزيه ومحايد لكشف ملابسات ما جرى، سارعت السلطات الإسرائيلية إلى الإعلان بأن عنصر الأمن والحماية الذي أطلق النار يخضع لاتفاقية جنيفا الدولية لحماية الدبلوماسيين، وأنه بموجب هذه الحماية الدبلوماسية فلن يتم إخضاعه للتوقيف ولا للتحقيق. فيما اتفق خبراء دبلوماسيون على أن السفارة الإسرائيلية محمية بموجب المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا يمكن اعتبارها مسرح جريمة هي أو أي مبنى ملحق بها، وبالتالي فمن الصعب بل المستحيل على المدعي العام أن يباشر القضية وأن يطلب من فرق الأدلة الجنائية رفع الأدلة والبصمات وأن يطلب سماع أقوال الشهود!

