مواجهة «ساخنة» بين «شاعر البلاط» ورئيس الحكومة
اخبار البلد-
فتح شاعر البلاط الأردني أو «شاعر القصر» كما يوصف، حيدر محمود، نقاشاً لن ينتهي ببساطة في الرأي العام وصفوف السياسيين، وحتى على مستوى الدولة، عندما وجه رسالة نقدية وفصيحة وغليظة لرئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، معترضاً على ما سماه بـ»طرد ابنه» من وظيفته العليا مقابل تثبيت ابن الرئيس نفسه.
المواجهة بين الشاعر الوزير والسفير وعضو مجلس الأعيان سابقاً محمود، وبين الملقي كانت «ساخنة جداً» وسياسية بامتياز، وفتحت النقاش وستفتح في الأيام المقبلة على مناطق في النقد والتعريض داخل «مجموعة السلطة» بصورة غير مسبوقة.
الشاعر الكبير وجه رسالة مكتوبة علناً ووزعها للصحافة للرئيس الملقي بعنوان: شكرا للدولة التي تعين ابن الرئيس في المنصب الذي يشتهيه، وتطرد ابن شاعرها الذي كان طوال الوقت مشروع شهيد.
الخلاف يتعلق بنجل الشاعر عمار حيدر محمود، وقد عين في الماضي مستشاراً في رئاسة الوزراء، عملاً بتقليد قديم في الدولة الأردنية يوفر وظائف مريحة وعليا لأبناء المسؤولين والوزراء.
مؤخرا أخرج الملقي نجل الشاعر من وظيفته ضمن وجبة تعديلات للتعيينات في كادر الرئاسة، وسحب سيارته الحكومية لأنه، حسب ما رد مصدر حكومي مقرب من الملقي، أنه «لا يعمل ويقيم خارج البلاد ويتقاضى راتبه من دون عمل».
الشاعر المعروف بسلاطة قلمه ولسانه في بعض الأحيان لم يعجبه الأمر، فقال للملقي في رسالته: فلذات أكبادكم ليست أعز من فلذات أكبادنا إلا إذا كان لون الدم الذي يجري في شرايينها مختلفاً. وبمناسبة ليلة القدر التي تنزّل فيها القرآن الكريم ختم محمود رسالته بالقول: «قاتل الله الظلم ولعن الظالمين».
الرسالة قاسية بالمواصفات المعتادة، لكنها مألوفة من شاعر البلاط الذي سبق له ان تقدم بقصائد هجاء ضد بعض السياسيين والمسؤولين.
وفي الوقت الذي سرب فيه مصدر حكومي لمواقع إلكترونية شرحاً يقول إن ابن الشاعر لا يداوم في وظيفته ولا يحضر الى مقر عمله ويرفض توقيع عقد يلزمه بالدوام، تعهد المصدر الغامض بأن يحال ملف الشاب الوظيفي إلى هيئة الفساد لمطالبته بالرواتب التي تقاضاها بدون وجه قانوني في الماضي.
الصيغة الأخيرة من التهديد تعبر ضمناً عن ردة فعل على رسالة الشاعر محمود من الدوائر القريبة جداً من مكتب رئيس الوزراء.
لكن محمود شاعر البلاط الكبير رفض السكوت، بل عاد وصرح «لسنا قرامطة» والملقي يطارد ابني ووظيفته منذ كان وزيراً للخارجية. لاحقا نقلت صحيفة «عمون» المحلية عن محمود قوله «أجهز لقصيدتي التالية وستكون في هجاء هاني الملقي».
إغضاب الشاعر محمود صاحب الأغاني والأناشيد الوطنية أنتج فوراً عاصفة من النقاش الحاد في أوساط الرأي العام ووسائط التواصل، التي سهرت على مدار يومين على الأقل وهي تتابع تفاصيل المعركة بين رئيس الوزراء وشاعر البلاط ولأسباب شخصية مع تعليقات في منتهى الحدة تطال الدولة والنظام أحياناً.
هذه المواجهة نتج عنها نحت تعبيرات غير مسبوقة تتحدث عن «صراع داخل الخلية»، وهو تعبير استعمله الشاعر باسل رفايعة، أو خلاف بين أصحاب «المزرعة» على تقاسم الوظائف العليا لأولادهم، خصوصاً أن الرأي العام كان بالكاد نسي قصة تعيين نجل رئيس الحكومة في موقع وظيفي متقدم في شركة الملكية الأردنية.
سرعان ما ظهرت عشرات المقالات التي تتحدث عن «أبناء الحراثيين» مقابل أبناء النخب وطبقة «الكريما». هذه المواجهة الانفعالية من الطرفين حصلت نتيجة سعي الرئيس الملقي لإجراء قدر من التقليص في النفقات العامة، أو الاستجابة لدعوات الإصلاح الإداري، وبالتأكيد دون التخطيط لمواجهة مع شخص بمواصفات شاعر البلاط الذي تكفل له عبارته الشعرية حصرياً الوصول إلى اي بؤرة قرار داخل أجهزة القرار والدولة.
وبدا لافتا أن المواجهة مع شاعر البلاط ستضيف لأعباء حكومة الملقي أثقالا، خصوصاً بعدما أخفقت في تفسير أو تبرير خلفيات تعديل وزاري أثار السخرية لدى الرأي العام أخيرا، حيث خرج من الحكومة ثلاثة وزراء من دون فهم الأسباب وبعد استقالة جميع أعضاء مجلس الوزراء، ولم يدخل بدلاً منهم أي وزراء جدد، مما يوحي أن التعديل عابر للحكومة ولا علاقة لها به.
الغريب في الأمر أن الإرادة الملكية صدرت بتكليف ثلاثة وزراء عاملين في حقائب الوزراء الذين غادروا مواقعهم، الأمر الذي يؤشر إلى عدم الاستعجال في إدخال وزراء جدد.
بالموجب أصبح وزير الأشغال سامي هلسه وزيرا للنقل أيضا، ووزير البلديات وليد المصري معينا في وزارة التنمية الاجتماعية، وتم تكليف وزير المالية عمر ملحس في وزارة النقل.
بين المغادرين وزير الطاقة الدكتور إبراهيم سيف الذي وصفه عضو البرلمان البارز خليل عطية بأنه «صاحب المشروع الوحيد الناجح في حكومتي عبد الله النسور وهاني الملقي»، وهو مشروع «الطاقة البديلة».
كثيرون يستفسرون عن أسباب مغادرة الوزير سيف، أحد أبرز المفكرين الاقتصاديين الشباب والذي تحفظ نسبياً طوال الوقت على الظهور بحماس مفرط إلى جانب خيارات «إسرائيلية أو تطبيعية»، على هامش توقيع اتفاقية الغاز الإسرائيلي، وإن كان قد وقع الاتفاقية بكل الأحوال. وهو سبب قد يكفي للقول إن توجهات محتملة قريباً مع الإسرائيليين قد تتطلب إبعاد وزير شاب لا يرى مبرراً للإسراع والهرولة في أحضان الإسرائيليين، خصوصاً وأن خلفيته كأردني لاجئ نشأ وترعرع في مخيم البقعة تساعد في ذلك.
ثمة إجماع في أوساط القرار على «كفاءة» الوزير سيف، مما يعني أن خروجه في التعديل الأخير هو من بين الألغاز غير المفهومة في وزارة الملقي، وإن كانت المؤشرات الأولية تشير إلى اصطدامه ومن دون غطاء من الدولة بقطبين نافذين أحدهما في القطاع الخاص في مجال الطاقة، والثاني في البرلمان.
الأقاويل تطال أيضاً عدم وجود أسباب واضحة في مغادرة الوزير وجيه العزايزة الذي يعتبر من الأرقام الصعبة في مجال «العمل الاجتماعي»، وسط مؤشرات على أن مراكز قوى خارج الحكومة قد تكون وراء مغادرته للفريق، في الوقت الذي يتحدث فيه الجميع بمن فيهم الملقي نفسه، عن «ضعف جاهزية الخطط» عند وزير النقل المقال حسين الصعوب.
غرابة التعديل الوزاري الأخير ثم عملية «الترقيع» للتعديل والمعركة التي فتحت مع قلم أبرز شاعر يمثل الدولة والنخبة والبلاط، توحي بأن خللاً ما يحصل فعلا بين سكان الطبقة العليا، وأن حكومة الملقي لا تزال أبعد عن «الاستقرار»، والأهم أنها توحي بأن «خلايا الظل» ما زالت تعمل وبكفاءة ومن دون شفافية أو شروحات.