انهيارات في جبل الجوفة
بدأت القصة قبل عقود. في ثمانينيات القرن الماضي، التهم الانهيار جزءا مطلا من جبل الجوفة على وسط عمان القديمة. وفي أرباضه، بيوت معلقة تطل على الجزء المهدوم.
جبل الجوفة أحد الجبال السبعة الشهيرة لعمان. فالمدرج الروماني الذي يحاذي سفحه، ظل مصابا بلوعة التاريخ، بناه أسلافنا على هذه الأرض، تحت إمرة الرومان. في أفق المدرج الخلفي، ثمة تاريخ آخر، طمرته القرون والمباني العشوائية التي صكت فيما تلا، بما سمي بـ”التطوير الحضري”، وهي عمليا مؤسسة، أجبرت جزءا من أهالي الجبل على دفع ثمن الأرض التي قطنوها عشوائيا فيما مضى، بدون أن تقدم لهم أي خدمة تطويرية حضرية، وفقط، جعلتهم يرضخون للتنظيم، الذي ما يزال عشوائيا في المنطقة.
الجبل؛ محفوف بهيبة عمان العتيقة، قطنه الناس كثيرا، وهجروه كثيرا، لكن مع بداية تأسيس المملكة، أصبح يتمدد بقاطنيه، ليبدو على ما هو عليه اليوم من اكتظاظ كبير. هناك صورة من القرن التاسع عشر تظهر المدرج الروماني بالأبيض والأسود، وخلفه سفح شاهق، لا يقطنه أحد، هو جبل الجوفة، لكن هذه الصورة اليوم، تبدو إرثا يكشف عن بدايات نشوء عمان الحديثة، لا جبل الجوفة فحسب. انهيار ثمانينيات القرن الماضي، لم يتسبب بخسائر بشرية. وأيضا انهيارات أول من أمس، التي أصابت مباني معلقة على شواهق الجبل، ما أفصح عن بنية جيولوجية هشة، دالتها الانهيار الثمانيني ربما.
في هذا النطاق، لا نجد حوليات، تؤرخ لأحداث الجبل من انهيارات أو انزلاقات، أو حتى تؤرخ لجغرافيا عمان، لنستشهد بها ونقول إن الجبل مثلا، معرض لانهيارات حتى بعد أن يفصح الكشف عن الانهيارات التي جرت أول من أمس، من أن ما حدث مرده شبكة التصريف الصحي غير الصحية التي تتمدد تحت بيوت الجبل، كما قيل. وأعتقد بأن انهيار الثمانينيات، يكشف عن أن هناك سوابق، لم يؤرخ لها في حدوث انزلاقات داخل الجبل سابقا، وكعادة الجبال المتكئة على عظامها الصخرية، فإن مثل هذه الانزلاقات، تحدث.
في كل الأحوال، لم يعد الجبل مثيرا لشهية الإقامة، فغالبية من يقطنونه، يتمنون مغادرته، لما فيه من اكتظاظ، ولخلوه من الخدمات، ولصعوبة حركة السير فيه. حادثة الانهيارات أول من أمس، تكشف عن الكثير من المسائل، لعل أولها توجيه الانتباه الى أن هذه المنطقة لم تعد تحتمل أي إنشاءات جديدة، وأن المنشآت القديمة فيها، تبدو معرضة للانهيار في ظل أي انزلاق غضروفي في عظام الجبل، المؤهل فعليا للانزلاقات.
وحتى يجري تلاشي أي كارثة قد تصيب جبل الجوفة، فإن الأمر، وبعد أن كشف عن اهتمام الجهات العليا بحل مشكلته، يتطلب رؤية معمارية جغرافية واضحة، تؤهل المكان لأمر آخر غير السكن والإقامة.