عمان قبل السابعة

لا شيء يلوث عمان ويشوه صورتها بصريا وبيئيا ،ويرهق أعصاب سكانها وزائريها ،أكثر من غرقها بأعداد هائلة من السيارات، وزرعها بالعمارات الاسمنتية ، بحيث أصبح يتوسط كل عمارتين بناية أما أزمة المرور فيها فقد أصبحت تحتاج الى شوارع بطابقين لاستيعابها.

أتيحت لي فرصة السير قبل السابعة صباحا، لإنجاز معاملة لدى دائرة خدمية في منطقة الأغوار، فاكتشفت عمان مختلفة وشعرت بمتعة السواقة بهدوء ، ودون أن تجد من يزاحمك على المسرب والاشارة ، ويزعجك بإطلاق منبه السيارة « الزامور» ، الذي يعتبر من أكثر السلوكات المستفزة في شوارعنا وهو يحظره القانون في عديد الدول ، وهذه دعوة لاستصدار قرار أو تشريع لحظر استخدامه في بلدنا.

تجاوزت «عنق زجاجة « صويلح المرورية ، قبل أن تبدأ عملية انتشار الناس ، بحثا عن رزقهم وحاجاتهم وتغرق الشوارع بالمركبات ، وعلى ذكر صويلح فإن الشارع التجاري الرئيسي باتجاه الغرب يشهد أزمة مرورية خانقة، وهو الشريان الحيوي الرئيسي الذي يربط العاصمة بمحافظة البلقاء، وبضمنها منطقة الأغوار الوسطى، وأسباب الأزمة في صويلح أن الشارع يحتشد بالمحال التجارية والخدمية، ويضطر المتسوقون الى الاصطفاف المزدوج على الجانبين، وهنا اقترح على أمانة عمان بحث إمكانية إنشاء جسر علوي، يمتد فوق الشارع الرئيسي في صويلح ، يكون طريقاً سريعاً للعابرين الى البلقاء ،والشارع السفلي للتسوق والخدمات.

ثمة عبارات تكتب على علب السجاير ومعسل الاراجيل ، تقول بأن التدخين سبب أساسي لأمراض القلب والشرايين والسرطان وأود أن أضيف بأن أزمة المرور في عمان ، تشكل أيضا سببا أساسيا لأمراض القلب والضغط والتوتر النفسي والعصبي، وتتسبب بمشاجرات وأحيانا وقوع جرائم.

أسباب وتداعيات أزمة المرور في عمان ، تتلخص بوجود أعداد هائلة من المركبات، ويقدر عددها بين « 1.8 -1.2» مليون في النهار ، فيما يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة ! يقابل ذلك عدم وجود وسائط نقل عامة مريحة ومنتظمة في مواعيد محددة ، وثمة سلوكيات خاطئة ومتكررة من قبل سائقي السيارات ، مثل الوقوف المزدوج في شوارع حيوية لشراء حاجيات ، ما يتسبب باختناق مروري وربما وقوع حوادث ومشاجرات.

خلال زيارة الى مدينة برلين مؤخرا ، حرصت على مراقبة حركة المرور هناك وفي مخيلتي مشهد عمان ، فلم ألحظ ازدحاما مروريا ، وأحصيت على إشارة ضوئية في أحد شوارعها الرئيسية ، نحو عشرين سيارة في الحد الأقصى ، ولم أسمع أن أحدا من السائقين يطلقون « الزوامير» ، أو وقوع مشاجرات حول أولوية المرور، والمارة يقطعون الشوارع من النقاط المحددة للمشاة ، وهذه حال الدول التي يحترم فيها القانون وقواعد وأخلاقيات المرور ، هم ليسوا ملائكة فلا بد من وجود أخطاء وتجاوزات لكنني أتحدث عن مقاربة نسبية.

والأهم من ذلك وجود شبكة وسائط نقل عام متقدمة بمواعيد محددة «، ولذلك فإن غالبية الناس تعزف عن استخدام المركبات الخاصة ، ولفتني أن عدد سيارات « المرسيدس» في شوارع برلين قليلة جدا ، رغم أن ألمانيا هي التي تصنع هذا الطراز من السيارات ، أما في بلادنا فالبعض قد يبيع قطعة أرض أو يقترض من البنك ، لشراء سيارة مرسيدس لغايات الاستعراض والمنفخة !

يبلغ عدد سكان برلين نحو «3.5» مليون نسمة ، ومساحتها تناهز «900 كلم2» أما عمان فيبلغ عدد سكانها 4 ملايين ومساحتها «1.680» كم² ، رغم أن عدد سكان ألمانيا «80» مليون نسمة ، يعادل ثمانية أمثال سكان الأردن « 9.5» مليون نسمة ؟.

هذه مقاربة تحتاج الى تفسير، فعمان تتجمع فيها أهم الخدمات والحركة التجارية والسياسية والثقافية ومؤسسات صنع القرار، والباحثون عن الوظائف وفرص العمل يرحلون اليها ، ولذلك علاقة وثيقة بتوزيع مكاسب التنمية ، ومن يدرس أصول سكان عمان سيكتشف أن نسبة كبيرة منهم ، جاءوا من خارجها بحثا عن فرص أفضل للحياة ،ويلاحظ ذلك في القيادات السياسية والإدارية ، حتى نواب المحافظات ، العديد منهم يستأجر أو يشتري منزلا في عمان.

Theban100@gmail.com