مذكرات أول طبيب أردني

اخبار البلد-

 


اتيحت لي اخيرا قراءة كتاب مذكرات الدكتور حنا سلمان القسوس الهلسا (1885-1953م) من تحقيق وشرح الدكتور نايف جورج القسوس الهلسا وتقديم الدكتور زيد حمزة.

ويتضمن الكتاب الذي يقع في 445 صفحة من القطع الطويل قراءة في المذكرات ووصفا لمخطوط المذكرات ،ثم عرضا للمذكرات المكتوبة بخط صاحبها مع شرح وتوضيح ارفقهما المحقق ،بالاضافة الى كتابين لصاحب المذكرات هما: كلمات صحية وفوائد طبية (90 صفحة )نشر في جريدة الشرق العربي بعمان ، والكتاب مطبوع بدمشق عام 1924م وتحدث فيه عن أمراض الحصبة والسل والجدري وكيفية لوقاية منها كما تحدث عن أضرار التدخين والمسكرات ،وكتاب فجيعتي الكبرى (72صفحة )الذي تحدث فيه عن وداع زوجته (لويزا الجسر من حيفا) التي توفاها الله عن عمر يناهز43 عاما اثرمرضها بالسرطان ، وتضمنت المذكرات البوما للصورخاصاً بصاحب المذكرات وعائلته.

تناولت المذكرات سيرة ومسيرة الدكتور حنا القسوس باسلوب مميز ، اذ تشد القارئ لمتابعة انتقال صاحبها من محطة الى أخرى يحمل معه في كل منها انجازا يؤدي به من نجاح الى نجاح ، ولم تكن طريقه مفروشة بالورود ، بل واجه الكثير من الصعاب والعقبات والتحديات التي لم ييأس من تكرار المحاولة تلو الأخرى لتجاوزها.

وتحدث عن ولادته عام 1885م في الكرك ونشأته في تلك البلدة ودراسته المرحلة الابتدائية في مدرسة طائفة الروم الارثوذكس في الكرك وكان التعليم فيها باللغتين العربية واليونانية ، وعندما اصبح عمره 12 عاما تشبث بعمه الراهب خليل أو افراميوس الذي كان يعرف قيمة العلم وسافر معه الى القدس لطلب العلم رغم معارضة أهله ، ومنها انتقل الى طبريا حيث كان عمه رئيسا للدير فخصص له استاذا للغة الفرنسية لأهميتها ، اذ كان ينوي الالتحاق بمدارس بيروت لاتمام دراسته ، وقد عانى كثيرا عندما حصل على القبول في المدارس اللبنانية بسبب الضعف في اللغة الفرنسية الذي أصر على اتقانها ، وفي تشرين الاول من عام 1904م التحق حنا القسوس بمدرسة عينطورة في لبنان ليلتحق بعدها بالمكتب الطبي ويتخرج عام 1910 م طبيبا من الجامعة اليسوعية ليكون أول طبيب أردني ، ثم تدرب في القدس ثم في مستشفيات باريس ، ومن بعدها التحق في الجيش المصري – الانجليزي وعمل في السودان ومن بعدها في الاستانة ليعود الى مسقط راسه الكرك عام 1913م ويفتح عيادة فيها.

ويتحدث صاحب المذكرات عن معاناته مع القادة الاتراك ومحاولات اعتقاله كونه عمل في الجيش المصري الانجليزي ، ليطلب منه الالتحاق بالجيش العثماني خلال الحرب العالمية الاولى ، الى ان عين لطبابة الحكومة العربية الموآبية أو حكومة الكرك الوطنية ، ثم عين لطبابة مادبا عام 1928 م الى أن أحيل على التقاعد عام 1938 ، واستدعي ليتولى منصب وزير الصناعة والتجارة في وزارة توفيق ابو الهدى عام 1943م ، ثم اصبح رئيسا لجمعية النهضة الارثوذكسية عام1944م ،ورئيسا للجمعية الطبية عام 1946

السيرة الذاتية لصاحب المذكرات ثرية وقيمة وتعكس صورة أحوال شرقي الأردن خلال مسيرته، وتطرح في الوقت ذاته العديد من التساؤلات يأتي في مقدمتها كيف تمكن هذا الشاب الكركي الاردني الطموح من اكمال دراساته العليا خارج الوطن وبعيدا عن الأهل في فترة كانت فيها الامية سائدة في شرقي الارد ن يرافقها الجهل وندرة المدارس وضيق الأحوال الاقتصادية وصعوبة المواصلات......؟؟؟

قدم لنا الدكتور نايف القسوس مذكرات الدكتور حنا القسوس الهلسا مدعمة بصورنادرة تجسد روح الحياة اليومية لنموذج عائلة أردنية في نلك الفترة ، وهي بذلك عبارة عن وثائق ثمينة لا تسجل تاريخ شخصية اردنية مميزة فحسب ،وانما تفتح المجال امام الباحثين والدارسين والمهتمين للاطلاع على تاريخ الاردن من زاوية كتابة المذكرات التي تلقي الضوء على كثير من الجوانب التي تهم الناس سواء أكانت علمية ام سياسية ام اقتصادية أم اجتماعية.