مشروع الجامعة البحثية إلى أين ..؟
اخبار البلد-
تتسارع وتيرة التقدم العلمي والتقني والتكنولوجي عالمياً بشكل لم يعد العقل البشري قادراُ على الاحتفاظ بهذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات، كما لم يعد قادرا على مجاراة المزيد من الاكتشافات والاختراعات، وأمام ذلك كان لزاما على كثير من الدول إنشاء بنوك المعلومات للاحتفاظ بالحجم الهائل من المعرفة؛ لعل وعسى يتم الاستفادة منها في المستقبل.
ولم تكن الجامعات إلا محطة مهمة وركيزة أساسية في الكشف عن المزيد من الأبحاث والدراسات فيما تحتاجه المجتمعات، وما يحتاجه الإنسان للتغلب على المشكلات التي تعصف به، للوصول إلى حلول لها، والتغلب عليها، ولكنه سرعان ما يجد نفسه أمام منعطف آخر وتحدٍ جديد؛ وهو ما دعا بعض الجامعات من التحول إلى الجامعات البحثية المتخصصة، والتي تولّت زمام الأمور في معالجة المشكلات المجتمعية والعالمية محاولة التصدي لها وتقديم الدراسات والبحوث في جميع المجالات الطبية والهندسية والتقنية والإنسانية والزراعية والصناعية والاجتماعية وغيرها ، وليس أدل على ذلك ما وصلت إليه التقنية في بعض هذه المجالات كظاهرة العلاج والكشف عن الأمراض بالنانو تكنولوجي، واستخدام الخلايا الجذعية في علاج الأمراض، وما زال العمل جاريا على كثير من الدراسات والأبحاث في محاولة للوصول إلى حلول فعلية ومستقبلية لكثير من الأمراض والمشاكل المستعصية في جميع المجالات على هذه المعمورة.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أين نحن من كل ذلك؟ إلى متى سنبقى نستهلك المعرفة دون أن نساهم في إنتاجها؟ وماذا ينقصنا لعمل الدراسات والبحوث والوصول بها إلى معالجة المشكلات المجتمعية التي تعصف بنا، والإسهام في مواجهة التحديات العالمية في المجالات المختلفة؟ هل فعلا أصبحنا بحاجة إلى جامعة بحثية متخصصة في مجالات معينة دون غيرها كالطبية والهندسية مثلا؟
ربما تحتاج هذه الأسئلة إلى دراسات، وأظنها قد أجريت، وبدأ مشروع الحديث عن الجامعة البحثية مبكرا، وسرعان ما خفت وتبخر، وذهب أدراج الرياح، ولكن ما المانع أن يعاد المشروع، ويطرح بقوة مرة أخرى، وتستكمل الدراسات الخاصة به، للوصول بهذا المشروع الحيوي والعملاق والمستقبلي والاقتصادي إلى بر الآمان. ويصبح الحلم بوجود جامعة بحثية أردنية متخصصة في مجالات معينة واقع موجود.
إن الجامعات البحثية هي: جامعات تتسم بتوافر كوادر بشرية علمية عالية الكفاءة، ونتائج بحثية متميزة، وقدرات عالية الجودة للتدريس والتعلم، واستدامة مالية من خلال دعم حكومي أو أهلي، وطلاب يمثلون صفوة خريجي المرحلة الثانوية، وحرية أكاديمية في اتخاذ القرارات البحثية، وهيكل مستقل للحوكمة والتنظيم الإداري، مع توافر الإمكانيات المادية للبحث العلمي.
وتهدف الجامعات البحثية فيما تهدف إليه: التشجيع على البحث، ودعم الباحثين القادرين بتميزهم وتفوقهم على تطوير العلوم وبالتالي تطوير المجتمعات التي يعيشون فيها، وتطوير المعرفة والعلم لطلبتها ومن ثم تفيد العالم وتسهم في تطور الإنسانية جمعاء.
إن إنشاء الجامعات البحثية يتطلب توافر خمسة عناصر أساسية تتمثل في: جذب واستيفاء أعضاء هيئة التدريس المؤهلين، واستقطاب الطلبة الموهوبين، والاستقلالية ونظام الإدارة، وبناء القدرات والبنية التحتية، واستدامة التمويل والموارد.
وهناك مجموعة من العوامل التي تساعد على نجاح مسعى الجامعات البحثية تتمثل في: دعم القطاع الخاص بالاستشارة والمعلومات والتمويل عن طريق التعاقد مع هذه الجامعات لإيجاد حلول لمشكلاته وتطوير أساليب وتقنيات لتحسين الناتج الصناعي المحلي، وتوفير الجامعات قنوات اتصال مع القطاعين العام والخاص، ووضع خطط قصيرة ومتوسطة الأجل لتلبية احتياجاته، والحفاظ على الاستقلالية العلمية لتلك الجامعات.
أما عن الأسس التي تقوم عليها الجامعات البحثية فهي: حربة البحث، والتنمية البشرية، والدراسات البينية، والتدويل، والمحاسبية. وقد خطت جامعاتنا نحو هذه الأسس وأتمت الكثير منها، وإن كان هناك قصور في جزئية ما، فمن الممكن وضع الخطط اللازمة للتغلب عليه.
ولعل إنشاء مراكز بحثية على مستوى مديريات التعليم في المحافظات ستكون فكرة رائدة ومميزة للكشف عن الباحثين والمبدعين والموهوبين في مختلف المجالات ورعايتهم واحتضانهم ودعم أفكارهم واكتشافاتهم، وهذا بلا شك سيكون رافدا قويا ومهما لبؤرة الجامعة البحثية مستقبلا. فهل لوزارة التربية مثلا أن تتبني فكرة المراكز البحثية في مديريات التعليم على مستوى المحافظات.
إن وطننا اليوم يزخر بالكفاءات القديرة في جميع المجالات، فما وصلنا إليه من تقدم في المجال الطبي والصحي شاهد على ذلك، فلدينا الكفاءات المؤهلة والقادرة على الإبداع في هذا المجال، وما كان الإنجاز الأخير بفوز الباحث الأردني سديم قديسات في برنامج « نجوم العرب» إلا دليلا دامغاً، وشاهدا واقعياً على ما تحمله الكفاءات الأردنية من طاقة وإبداع وابتكار أينما حلت وارتحلت. وقد سبقته بأيام قليلة المهندسة الأردنية هدى الحسيني بفوزها بالجائزة الفضية في المسابقة العالمية « ستيفي» للعام 2016. وكذلك حاز طفلان أردنيان على مراكز متقدمة في مسابقة « UCMAS» العالمية التي أقيمت في دبي مؤخرا.
وأخيرً أقول إن عوامل النجاح ومتطلبات الجامعة البحثية والأسس التي تقوم عليها متوفرة لحد كبير، وهناك رغبة جادة وحقيقية لاستكمال المشروع إلى أن يرى النور قريبا، فمن يعلق الجرس ويبدأ بتنفيذه، فالعالم أصبح يقف احتراما لكل إنجاز علمي، وريادي متميز، ولن يقف ينتظر منا! بل علينا أن نسرع للحاق به، ومحاولة وضع قدم لنا في مصاف الجامعات البحثية.