الاغتيال المنتظر لمهنة الطب الأردنية
منذ صيف عام 2001 ازدهرت صرعة جديدة في الأردن ألا وهي الحديث المسهب عن ضرورة تشريع قانون مسؤولية طبية في الأردن حماية لضحايا الأطباء من الأبرياء.
في الوقت الذي تتهافت به كبرى جامعات ومستشفيات الغرب على استقطاب أطباء الأردن ها نحن قد حولناهم بغمضة عين لسفاحين يجب تعليق مشانق لهم في ساحة الجامع الحسيني ؟ ها نحن اليوم نصنف بعديمي الكفاءة والإنسانية أناسا استطاعوا اكتساب ثقة المرضى العرب وجعلوا من عاصمتهم المركز العلاجي الإقليمي الأول.
ثلاثة عشر وزير صحة وخمسة نقباء وثمانية مجالس نقابية تعاقبوا منذ بث الحلقة الاولى من المسلسل المضجر وما زلنا نصغي للعبارات ذاتها وقد غدونا في الوقت الضائع أو بالاحرى الذي أضعناه بفعل سطحيتنا وابتعادنا عن النظر لصلب الموضوع وافتقارنا لرؤية متعمقة هادفة شمولية واقعية.
يا سادة النواح والعويل هل الأردن دولة لا تحميها قوانين ولا تشريعات حتى نطالب وبحزم بسن قانون مسؤولية طبية ؟ هل سمعتم عن قاض أو رجل قانون مخضرم أو وزير عدل يطالب بمثل هذا القانون ؟
المريض في الأردن تحميه من جهة قوانين الدولة المدنية والجزائية العادلة الصارمة ومن جهة أخرى قانون نقابة الأطباء غير المكتمل والقديم. ولدينا قوانين دولة مكتملة يصونها قضاء نزيه فمن منكم سمع يوماً أن القضاء الأردني قد خذل مريضاً اشتكى ضد طبيب أو مستشفى ؟
في كافة دول العالم لا يوجد قانون منفرد للمسؤولية الطبية فقوانين المسؤولية الطبية تندرج ضمن قانون نقابة الأطباء ( أو المجلس الطبي ) باستثناء ( حسب المتحمسين في بلدنا ) دولتين واحدة ليس بها مستشفيات والأخرى لا يوجد بها دستور.
قوانين الدولة الأردنية لا تحتاج لمن يقوم بإعادة صياغتها لكن ما نحتاجه يتمثل بالإقتداء بالدول الحضارية لتنظيم وتحديث وتطوير قوانين المسؤولية الطبية ضمن قانون نقابة الأطباء الذي تمت صياغته عام 1954 مع تعديل طفيف عام 1972 ومحاولة تحديث جزئي سطحي عام 2015.
خطوة المجلس الصحي العالي عام 2010 كانت صائبة والمسودة التي أعدتها اللجنة الوطنية المنبثقة عنه بوجود نقابيين وديوان التشريع والمجلس القضائي العالي ونقابة المحامين ( وكان لي شرف المشاركة بإعداد المشروع ) وتمثل رؤية صائبة ومقدمة لمجهود كبير قادم أجهضه المستشار القانوني لوزارة الصحة الذي رمى بالمسودة في سلة المهملات وقام بتعديلها وتغييرها على مزاجه دون أن يطلب منه أحد ذلك لتصبح قاعدة المشروع الجديد.
نحن اليوم في الوقت الضائع ومشروع القانون قد بات أمام البرلمان بالنسخة التي ابتكرها البعض فهل تبقى أمامنا متسع من الوقت لتصويب المسيرة والتفكير بمهنة الطب الأردنية التي نغتالها بالصراخ والنحيب بأن أطباءنا يستحقون العقوبة ؟
ليس هناك خاسر واحد بل خاسرون من جراء ما تبيته لنا الأيام القادمة وفي مقدمتهم المرضى. فالطبيب الماهر سيمتنع عن إجراء عملية حساسة ضرورية تحتوي على نسبة من المضاعفات والمحامون يتربصون به في ممرات المستشفيات على الطريقة الأمريكية. والطبيب الماهر الذي تنتظره بفارغ الصبر مستشفيات العالم بأكملها سيهاجر أو لن يقبل بأن يقدم خبراته بالكلفة الزهيدة الحالية مع كلفة التأمين الباهظة التي يرغبون بفرضها عليه وسيكون لزاماً على المريض تحمل مضاعفة تكاليف العلاج بل وتكاليف التشخيص فالطبيب سيحمي نفسه احترازياً أمام القانون وسيطلب لمريضه فحوصاً تكميلية باهظة الثمن على المرضى تحملها.
والخاسر الأكبر سيكون الاردن وكيف لا ونحن نملأ الدنيا صراخاً بأن المرضى لا تحميهم قوانين في دولة أطباؤها عديمو الكفاءة في الوقت الذي نبحث عن المحافظة على المرضى الوافدين الذين تبخروا باستثناء تصريحات ومخيلة جمعية المستشفيات الخاصة.
فهل بالإمكان أن نغتنم ما تبقى لدينا من متسع للعودة لطولة الحوار الوطني وتشريع قانون مسؤولية طبية حضاري مكتمل ضمن قانون نقابة الأطباء والتوقف عن اغتيال الطبيب الأردني ومهنة الطب الأردنية وسمعة واقتصاد الوطن ؟