الحكومة وضرورة الشفافيّة

اخبار البلد-


يعاني اقتصاد المملكة تشوهّاتٍ ويواجه ضغوطاتٍ تنعكس وجعاً على شرائح واسعةٍ من المواطنين. ويعيق العمليّةَ التنمويّةَ تدهورٌ قيميٌّ أباح الواسطة وما مثلها من خروقاتٍ للقانون، فمارسها الرسميّون والمواطنون في آن. وتنتشر في المجتمع، بشكلٍ متنامٍ، عتمة الرفضويّة والسلبيّة التي تريد قتل الإنجاز والأمل.

وفي ما يعصف بالإقليم من انهيارٍ أخلاقيٍّ وتفكّكٍ مجتمعيٍّ وحروبٍ شرسةٍ مصادر ضغوطاتٍ أمنيّةٍ واجتماعيّةٍ أخرى على المملكة التي تتحمّل تبعات فشل جوارها. فالتراجع الاقتصاديّ مرتبطٌ في جوانب منه بالبيئة الإقليميّة. والفكر التكفيريّ الإقصائيّ الإلغائيّ يتزوّد زخمه من حال القهر والجهل والفشل الإقليميّة. أمّا التحدّي الأمنيّ فتفاقم نتيجة ما يتربّص خارج حدود المملكة.
أوجدت هذه الظروف أرضاً خصبةً للخطاب الشعبويّ. ففي القول المدين للواقع الصعب محاكاةٌ لمشاعر الموجوعين حياتيّاً. وفي تبشيع ما بقي من جميلٍ في الراهن البشع استنهاضٌ للمنغلقين في ظلام نظرةٍ فوقيّةٍ رفضويّةٍ لا ترى الخير إلاّ في ما تفعل هي وتقبل. ويبثّ الإلغائيّون التكفيريّون الجهل واليأس لأنّ رمقهم فقدان الأمل.
لكنّ صعوبة الظرف أوجدت أيضاً حتميّةً وطنيّةً لتبنّي نهجٍ عمليٍّ عاقلٍ لمواجهة المشاكل وتجاوز التحدّيات مهما كانت الطريق إلى الحلول صعبةً وغير شعبيّة.
يستطيع من لا يتحمّل مسؤولية اتخاذ القرار اعتماد الخطاب الشعبويّ سبيلاً إلى مجدٍ قصيرٍ زائف. لكنّ ذلك ترفٌ لا تملكه الحكومة ومن يجلس في موقع المسؤولية خادماً عامّاً للناس.
لا تستطيع الحكومة ترحيل ما تراكم وتفاقم من مشاكل ماليّةٍ واقتصاديّة. ولا خيار أمامها سوى أن تبحث في أسباب تراجع أداء المؤسّسات العامة فتعالجها من دون محاباةٍ أو استرضائيّة. وعليها عبء مواجهة التراجع القيميّ الذي أوجد تقبلّاً اجتماعيّاً لجرائم وممارساتٍ ضارّةٍ مثل الواسطات والمحسوبيّات وتدنّي الإنتاجيّة والاستهتار بواجبات العمل العام.
نتيجةً لذلك، ستكون هناك معارضةٌ مفهومةٌ لقراراتٍ وسياساتٍ حكوميّةٍ ستنتج أوجاعاً وصعوباتٍ آنيّةٍ ثمناً لا تحاشي له لعمليّة إصلاح ما يجب معالجته من تشوّهات وما لا مفرّ من تصحيحه من ممارسات. وسيستغلّ بعضٌ أيّ قرارٍ صعبٍ تتّخذه الحكومة لمهاجمتها. فتلك هي بعض آفات السياسة: فريقٌ يحاول إضعاف فريق، وأجندةٌ تسعى لهزيمة أجندة في منافسةٍ ليست، للأسف، دائماً شريفةً وأخلاقيّةً أو منطلقةً من الحرص على الصالح العام.
لن تكون مهمّة الحكومة سهلة. لكنّ الحكومة تستطيع أن تقلّل من معارضة الناس لقراراتها الصعبة وأن تخفّف من أثر المزاودات المناكفاتيّة عليها إن هي عملت وفق خطّةٍ واضحةٍ للنّاس أهدافُها ومنطلقاتها، وباينةٍ عدالتها.
سيتحمّل الناس تبعات الإصلاح الاقتصاديّ إذا وثقوا أنّها تنعكس على الجميع بمساواة. وستبدأ مسيرة استعادة الثقة بمؤسّسة الحكومة إذا اقتنع الناس أنّ الحكومة تعمل بعدالةٍ ومساواةٍ وفاعليّةٍ. وكذلك تمثّل العدالة والحزم في تنفيذ القانون الخطوة الأولى نحو إزالة التشوّهات القيميّة وجعل ممارساتٍ مثل الواسطة آفةً مرفوضةً أخلاقيّاً وليس قانوناً فقط.
تعهّد رئيس الوزراء هاني الملقي أن يعمل بهذا النهج المجذّر للمؤسّساتيّة والفاعلية والعدالة والشفافية. تستحقّ حكومته أن تحاسب وفق التزامها هذا التعهّد، وأن تقوّم بناءً على أدائها.