تقرير لـ «أكيد» يكشف تناميا مفاجئا وصادما للكراهية
اخبار البلد-
لا أحد يستطيع إنكار أن الإعلام بمنصاته المختلفة «مقروءة ومرئية ومسموعة» هو القائد الذي يوجه الرأي العام، ويشيع فيه الخطابات على مختلف أنواعها، وبكل مضامينها الايجابية أو السلبية.
وحتى وقت قريب كانت الحالة الإعلامية في الأردن توصف بالاتزان والاعتدال والوسطية وكان متاحا باستمرار للدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها الرسمية والمدنية والشعبية ضبط المحتوى وفق القانون ومنع انفلات الخطابات السلبية وشيوعها.
وحتى مع ثورة الاتصال والتكنولوجيا وتعدد المنصات الإعلامية وصولا إلى شيوع استخدام الانترنت ووسائل التواصل كان من الممكن الحفاظ على صفة الاتزان والاعتدال من خلال دعم المؤسسات الإعلامية الراسخة بتوفير السبل لها لمواكبة ثورة الاتصالات تلك وبقائها كمصدر موثوق وفاعل للخبر والرأي والتحليل والمحافظة على موقعها كقائدة للرأي العام.
ما حدث - للأسف- أن الكثير من المؤسسات الرسمية اعتقدت أن دور وسائل الإعلام التقليدية قد انحسر إلى غير رجعة، وان البديل هو التوجه نحو وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسائلها المختلفة، دون وعي بان هذه المنصات قد تخدم مرة وتخذل عشرات المرات، دون أن يكون من الممكن والمتاح ضبط ما ينشر عليها وتوجيهه لخدمة المصالح العامة.
ومع الاقرار بان انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حقيقة لا يمكن تجاهلها، فمن الضرورة أولا التنبه الى أن الاعلام سيبقى دوما سلطة رابعة حتى وان ما يتغير هو فقط وسائل العرض، وثانيا السعي لخلق «تربية إعلامية» في الأوساط الشعبية لإشاعة أدبيات العمل الإعلامي خاصة الاتزان والموضوعية وتقدير المصالح العامة بين رواد تلك الوسائل ومستخدميها، حيث لم تعد تلك الأخلاقيات ضرورة للممتهنين للإعلام فقط.
كما أن على مؤسسات الدولة مراجعة موقفها من المؤسسات الإعلامية القائمة والسعي لدعم موقفها ووجودها وتمكينها مهنيا وماديا وتكنولوجيا للعودة إلى تصدر الواجهة الإعلامية، لتكون هذه المؤسسات القائد الذي يوجه المحتوى الإخباري والتحليلي على منصات التواصل الاجتماعي أو الذي يدحض ما ينشر عليها من إشاعات وخطابات سلبية، وهذا يتطلب بالضرورة تعزيز مكانة تلك المؤسسات وتعزيز الثقة فيها من خلال إطلاق الحريات العامة بشكل عام وحرية الرأي والتعبير بشكل خاص، والتوقف عن النظر إلى منصات التواصل كبديل للمؤسسات الإعلامية.
مرصد مصداقية الإعلام الأردني «أكيد» اصدر يوم أمس تقريرا جديدا بعنوان «الكراهية الجديدة في المجتمع الأردني، كيف يعمل الإعلام الجديد على شيطنة المجتمع» قال فيه ان التعبيرات التي ينتجها المجتمع الأردني في الفضاء العام شهدت تغيرا واضحا، واتسمت هذه التحولات الصادمة بحضور مكثف لخطاب الكراهية وتعبيراته الإقصائية التي تؤسس للاستقطاب والانقسام الاجتماعي؛ وتصاعدت تعبيرات الكراهية غير المألوفة في الفضاء العام الأردني من خلال الإعلام الرقمي وتحديدا في شبكات التواصل الاجتماعي.
وقال التقرير «إن تصاعد خطابات الكراهية والتحريض يهدد النسيج الاجتماعي للمجتمع الأردني، ويعمل على خلق الاستقطاب الحاد على خلفيات ثقافية – دينية تقف خلفها مواقف ومصالح سياسية أحيانا، إلى جانب أن هذه الظاهرة تهدد حرية التعبير في الأردن، وقد تدفع إلى إجراءات وتشريعات تحد من حرية الإعلام؛ الأمر الذي يحتاج إلى منظور جديد في معالجتها».
ورصد التقرير استمرار ظاهرة الأقلية الصارخة التي تتحول إلى أقلية قائدة ذات تأثير قوي، وحينما يصل الخطاب إلى ذروته، تتراجع قوة خطاب هذه الأقلية، حيث يتسع نطاق المشاركة وحجم وأعداد الفاعلين، وهذه الأقلية ترتبط بمعظم الأحداث ذات الصلة بخطاب كراهية بعدد قليل من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعض المواقع الإخبارية التي تبنت مواقف محددة حيال الحدث.
العالم منشغل منذ فترة بمحاربة خطاب الكراهية، دون الوصول إلى نتائج إيجابية ملموسة، فالكراهية هي وليدة الحقد على الآخر، من خلال استخدام عبارات تؤيد التحريض على الضرر، من خلال التمييز والعنف والعدوانية، بحسب الهدف الذي تسعى له خطابات الكراهية الناتجة عن أسباب عقائدية أو فكرية أو طائفية أو قومية، وقد أصبح الإنترنت هو نقطة التقاطع بين مختلف الأفكار والتوترات المجتمعية داخل المجتمع الواحد، وأصبحت التكنولوجيا الجديدة هي عبارة عن فرص وتحديات في آن واحد تواجه المواطن.
يتميز خطر التكنولوجيا الجديدة بالنسبة للدول النامية والمتمثلة بالشبكة العنكبوتية «الإنترنت» عن غيره من الوسائل الأخرى، بنشر خطاب الكراهية كونه قليل التكلفة وسريع الانتشار، مع إمكانية إثارته واستمراريته في أي وقت.
وتستهدف الخطابات التي تحمل في طياتها الكراهية وإشاعة الفوضى المواطن الذي يتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي متنفساً لقضاء بعض الوقت، كون الإنترنت يتيح ميزة النقاش والجدال عكس الوسائل الأخرى، حيث أصبحت خطابات الكراهية تتسلل إلى الشخص المستهدف دون استئذان، ودون أن يشعر بها أحد.
يتم الحفاظ على حرية الرأي ومواجهة خطابات الحقد والكراهية في آن واحد عندما يتم إشاعة ثقافة الاحتجاج والجدل السلمي، والابتعاد عن الخطابات التي تتخذ من العنف والتمييز منطلقاً لها مهما كانت الآراء متنافرة ومختلفة، فالحوار الفعال والاتصال الذكي يمكن لهما أن يوضحا العديد من المسائل التي أصبحت تشكل ألغاماً موقوتة إن لم تكن بذورها تنمو في جو يساعد على إذكاء هذا النوع الخطير من الخطابات من الأحاسيس السلبية تجاه الآخرين.
وقد تلعب وسائل الإعلام المؤسساتية دورا بارزا في جعل غالبية جمهور منصات التواصل الاجتماعي يعتمدها كمرجعيات موثقة للأخبار والآراء إذا ما تم تمكين هذه المؤسسات وتعزيز مكانتها وقدراتها مهنيا ولوجستيا لتأخذ المكان الذي يقوم به حاليا نفر من نشطاء التواصل الاجتماعي غير المتصلين بأخلاقيات مهنة الإعلام وغير العارفين بأصولها وفنونها والذين وصفهم تقرير «أكيد» بأقلية صارخة تتحول إلى أقلية قائدة ذات تأثير قوي في إشاعة خطاب الكراهية والعنصرية.
فإذا ما أتيح للمؤسسات الإعلامية الإمكانات وتم إعادة عقد التعامل معها إلى صيغته التقليدية، باعتبارها الوجهة المفضلة لمؤسسات الدولة، وتم تقليص حجم الاهتمام بـ «نشطاء الوهم» فإن هذه المؤسسات قادرة على العودة لتولي موقع قيادة الرأي العام، لكبح جماح الشائعات وإشاعة لغة الوسطية والاعتدال والتوازن التي طالما غلفت المجتمع الأردني ومؤسساته.