خطــاب الملـكـــة والتعلـيــم



 

أطلق جلالة الملك المعزز عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله وجلالة الملكة رانيا العبدالله الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية والتي تمثل جهد وطني غير مسبوق، وحوت حلول إصلاحية وأولويات ومراحل زمنية وخريطة طريق نحو النظام الأفضل لتنمية الموارد البشرية، فرؤى جلالة الملك لهذه الاستراتيجية تنبثق من ضرورة إدارة وتوجيه الموارد البشرية لضمان مستقبل الأجيال والعمل لإنجاح توصيات الاستراتيجية مدار البحث.
وجاء خطاب الملكة رانيا في إطلاق توصيات الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية مدويا وإصلاحيا صوب نظام تعليمي نهضوي ليشكل ثورة بيضاء على كل ما هو كلاسيكي في منظومة التعليم بدءا من الروضة ومرورا بالمدرسة وحتى التعليم العالي.
فلقد جاء خطاب جلالة الملكة مشخصا للمشاكل التعليمية والتحديات، ومؤشرا على مواطن الخلل، ومحللا لأسباب تراجع التعليم، وراسما لأطر إصلاحية وحلول وبرامج صوب تجويد منظومة التعليم، وأوضح الخطاب أن تظامنا التعليمي يئن ويتراجع والمشكلة تبدأ من مراحل ما قبل المدرسة، مرورا بكل المراحل المدرسية، والدليل مؤشرات التحصيل المتدنية للامتحانات العالمية والمحلية في مختلف المراحل.
فالرؤى الملكية تضع التعليم الآن على سلم أولويات الدولة الأردنية وخصوصاً بعد تبني الحكومة إستراتيجيتي تنمية الموارد البشرية والتشغيل على السواء، وإصلاح التعليم يبدأ من قاعدة الهرم التعليمي بالمدارس وليس بالجامعات التي مدخلاتها هي ذاتها مخرجات المدارس، ونحتاج لإصلاح جذري في منظومة التعليم لتشمل مفاصل رئيسة كالمعلم والمناهج والبيئة المدرسية وأساليب التدريس والتقويم والتواصل مع المجتمع المحلي ومنظومة القيم والأخلاق وغيرها، ونحتاج لمواجهة المشاكل لا ترحيلها أو "الطبطبة” عليها، وحتما هذا لا يتم إلا في حال وضوح الرؤى والأهداف ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب والتطبيق العملي.
فجلالة الملكة رانيا أطرت واقع التعليم والتحديات والمسؤوليات بتشاركية في تشكيل مستقبل الشباب، وطالبت بنهضة شاملة في التعليم، والاستراتيجية ركزت على تطوير قطاع التعليم في المملكة والموارد البشرية بشكل عام، وحوت خريطة طريق للحكومات المتعاقبة تؤطر عمل القطاعات المعنية بالتعليم، والاستراتيجية منسجمة مع مخرجات الرؤية الاقتصادية للسنوات العشر القادمة والاستراتيجية الوطنية للتشغيل، وتعمل على بناء قدرات أجيال الحاضر والمستقبل، و الاستراتيجية ومحتواها بالرغم من أهميتها إن لم يتم تطبيقها على أرض الواقع من خلال وضع الرجل المناسب في المكان المناسب دون واسطة أو محسوبية، وإن لم يتم توجيه التعليم صوب حاجات سوق العمل ستبقى على الورق وحبيسة الادراج، وهذا هو التحدي الأكبر لها.
فإدارة الموارد البشرية والاستثمار بالشباب المتعلم والتعليم نفسه وتوظيف طاقاتهم في المكان والزمان المناسبين جل مهم لغايات تنفيذ توصيات هذه الاستراتيجية، وتنمية الموارد البشرية تحتاج لتفهم الجهات المستهدفة وثقتهم وخصوصا الشباب وأجيال المستقبل، ولا يمكن التقدم للأمام في هذا المجال إلا إذا طبقنا العدالة الاجتماعية ولغة القانون والاستحقاق بجدارة وتكافؤ الفرص بشفافية ونزاهة، وبصراحة فإن الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية ستخلق في حال تطبيقها حالة من الثقة والتفاؤل والأمل لدى جيل الشباب لغايات الأمن التعليمي والأمن الوظيفي والتشغيل وفرص العمل، وسيأمن الشباب على مستقبلهم دون خوف أو تردد أو قلق.
وهذا بالطبع سيحوي كل عناصر تنمية الموارد البشرية بما فيها المناهج التي يدور لغط كبير حولها هذه الأيام، لتكون مناهج عصرية وقوية تمكّن شبابنا للألفية القادمة في المجالات المعرفية والسلوكية والأخلاقية والوطنية والسياسية والديمقراطية وكل شيء ممكن ليكون الشباب الأردني متمكّناً ومحصّناً ووطنياً ومنتمياً وإنسانياً وفاعلاً في ذات الوقت.
والوقت فعلاً غير مناسب البتة لأننا لا نمتلك ترف الوقت للتراجع للخلف، لكن المضي قدماً بالإصلاحات التربوية والتعليمية هو المطلوب، ليكون الشباب الأردني قوّة ورصيد للوطن وطاقات مقدّرة فوق الأرض.
ولهذا نحتاج لثورة بيضاء إصلاحية في منظومة التعليم، لأن القاصي والداني يشهد بتراجع مستوى التعليم بشقية العام والعالي، ومن ينكر ذلك فهو كالنعامة التي تضع رأسها بالرمال كي لا تبصر الحقيقة المرة، ونحتاج لصحوة ضمير عند كل أطراف العملية التعليمية للشعور بأهمية وأولوية التعليم وتحدياته وطرائق إصلاحه والنهوض به وطنياً ومعرفياً وأخلاقياً وتربوياً على السواء، فبصراحة تعليمنا وقوانا البشرية الكفؤة في الأردن هما رأس مالنا فوق الأرض، وهما بترولنا وألماسنا وذهبنا، ولا يمكن أن نحقق التنمية الشاملة والمستدامة وفرص العمل والتشغيل والاستثمارات ومحاربة الفقر والبطالة إلا بتجويد التعليم ورفع سويته ليكون رأس مالنا أوكتان 95 لا ديزل أو كاز، وليكون رأس مالنا ذهب عيار من 24 لا 18، وألماس صافي زلال، وواثق من مستقبله لبر الأمان!
وكل عام وأنتم والوطن وقائد الوطن بألف خير.