"المحامين" تدافع عن حصرية التوكيل أمام القضاء
اخبار البلد
عادت قضية الخلاف بين نقابة المحامين ومراكز المساعدة القانونية الى الواجهة مجددا، بعد الهجوم الجديد الذي شنته النقابة، على المراكز، التي تقدم خدمات المساعدة القانونية المجانية لمن يطلبها من بعض الشرائح.
النقابة بادرت مجددا لمحاولة منع هذه المراكز من تقديم هذه الخدمة، بتأكيدها ان القانون "يحصر تقديم خدمات التقاضي بالنقابة"، معتبرة تقديم المراكز لها نوعا من "التعدي على مهام وأعمال النقابة".
ووجهت النقابة اخيرا إنذارا نهائيا لأكثر من خمسين محاميا، يعملون بمراكز المساعدة القانونية، تطلب منهم وقف عملهم مع هذه المراكز خلال شهر، وإلا ستتخذ بحقهم اجراءات قانونية، في وقت قررت فيه النقابة ايضا تقديم شكاوى جزائية بحق هذه المراكز، معتبرة ان عملها يندرج في إطار "المنافسة غير المشروعة" لأعمال المحامين.
في المقابل، ترى مراكز المساعدة القانونية "ان اجراءات النقابة غير قانونية"، مستندة في ذلك الى أن من يقدم خدمة المساعدة القانونية فيها، سواء أكانت استشارة قانونية أم تمثيلا لدى المحاكم، هم محامون منتسبون للنقابة وهم جزء من تكوينها".
وبذلك، تؤكد هذه المراكز أنها "لم تتعد على حقوق المحامين، إضافة الى أنها تعمل وفق احكام القانون وتحت مظلته".
التفاصيل التي تندرج تحت مظلة الخلاف الدائم بين النقابة والمراكز كثيرة ومتشعبة، الا ان المتابع يجد ان قوامها اعتقاد البعض بالنقابة ان تقديم المراكز الخدمة القانونية مجانا لمن يراجعها، يتسبب بمزاحمتهم في أرزاقهم.
لكن المراكز تستند دوما بالدفاع عن موقفها الى أنها تحصر تقديم هذه الخدمة لمحتاجيها من المعوزين، ممن وجدوا انفسهم بوضع قانوني يتطلب استشارة أو تمثيلا امام القضاء، وهم أساسا، وفي حال عدم توفر الخدمة لهم بالمجان، لن يذهبوا الى محامٍ يتقاضى اجرا، كونهم لا يملكون المال.
من هنا قامت في الاصل فكرة تأسيس مراكز للمساعدة القانونية حول العالم، وإلى هذا يذهب مدير مركز عدالة المحامي عاصم ربابعة بقوله: ان "فكرة وجود المراكز القانونية تأتي من حاجة المعوزين والمهمشين الذين لن يطلبوا هذه الخدمة في حال ارتبط تقديمها لهم مقابل المال".
لكنه، إضافة الى ذلك، يؤكد، ان "حق الحصول على المساعدة القانونية مكفول في المواثيق والاتفاقيات والتشريعات الدولية والمحلية".
كما تؤكد هذه المراكز ان "عدد القضايا التي تترافع بها لا يتعدى 1 % من إجمالي القضايا المنظورة في المحاكم". ويقول مدير مركز حماية وحرية الصحفيين نضال منصور، ان عدد القضايا التي ترافع فيها محامون متعاونون مع المراكز خلال العام الماضي "لا تصل الى خمسة آلاف قضية، من أصل 500 الف قضية"، مؤكدا ان اغلب قضايا المراكز مدورة من أعوام سابقة وبذلك لا يتجاوز إجمالي هذه القضايا 1500.
بيد ان نائب نقيب المحامين رامي شواورة يرى "ان المراكز تعمل خلافا للقانون، وتنافس المحامين "منافسة غير مشروعة"، مقترحا ان ينحصر دورها بعقد الدورات والتوعية، بعيدا عن تقديم خدمات التمثيل امام القضاء.
ويوضح أن النقابة تقوم بهذا الدور، استنادا للمادة 100 من قانونها، التي تتيح للنقيب أن "يكلف أيّ محامٍ لتقديم خدمة قانونية مجانية لمرة واحدة كل عام، وأن يقوم بالتوكل عن شخص ثبت للنقيب فقره وعدم استطاعته دفع أية أجور للمحامي".
لكن الشواروة لم يجب عن عدد القضايا التي قدمت فيها المساعدة القانونية المجانية للفقراء، ليؤكد فقط ان النقابة "تقوم بهذا الدور وتسعى لتفعيله وتطويره بشكل يسد النقص".
بيد ان للمحامي علي نوفل، رأيا آخر بهذا الخصوص، إذ يرى أن شريحة من المحامين "تعتبر أن عمل مجلس النقابة يسوده بطء شديد في التعامل مع ظاهرة انتشار مراكز العون ذات التمويل الأجنبي".
واعتبر نوفل أن هذه المراكز، التي بدأت عملها منذ نحو 8 أعوام، "لم تتم معالجتها من قبل مجالس النقابة السابقة"، بحسب تعبيره، كما أن اعضاء المجالس السابقين "لم يكونوا صريحين ومكاشفين لأعضاء الهيئة العامة حول هذه الظاهرة الضارة"، بحسب وصفه.
وأشار الى سلسلة اعتصامات تم تنفيذها من قبل محامين متضررين من هذه المراكز، دعوا فيها الى "وضع حد لجمعيات المساعدة القانونية".
وشدد نوفل على أن موقف النقابة مؤخرا جاء "متقاربا مع موقف المحامين الرافضين لهذه المراكز، التي تهدف إلى الإضرار بمنتسبي النقابة وبمهنية المحاماة ذاتها"، مؤكدا أن عددا كبيرا من المحامين "بدأوا يعانون ماليا" بسبب تأثيرات هذه
هذه المراكز "التي تعين أشخاصا لا يمتلكون رخصة مزاولة لمتابعة قضايا مواطنين" بحسبه.
وقدر "قيمة أجور القضايا" التي سجلتها هذه المراكز لدى المحاكم بعشرات الآلاف من الدنانير خلال الأعوام الماضية.
بدوره، قال المحامي سامر استيتية إن عمل مراكز المساعدة القانونية "لا يتساوى مع دور المحامي الذي يطبق قانون نقابته وما يحتم عليه واجبه المهني أن يقوم به".
ولفت إلى أن هناك نحو 22 مركزا للعون تعمل في مختلف المحافظات، معتبرا ان "النقابة يقع عليها عبء وقف التمويل الأجنبي الذي يقدم مباشرة للمراكز المعنية حرصا على مصلحة الوطن والمهنة".
واعتبر أن شريحة واسعة من المحامين تعول على أعضاء مجلس النقابة "عدم تخييب آمالهم".
وشدد على أن الضرر الأكبر الذي تسببه هذه المراكز، لا يمكن حصره في أمور اقتصادية، "وإنما ايضا في الجانب المهني الذي يسيء لسمعة النقابة والمهنة والمحامين".
وكان مجلس النقابة قرر باجتماع عقده الأحد الماضي، مخاطبة الوزارات والجهات الرسمية المسجل لديها مثل هذه المراكز، وطالب "بإلغاء أي غاية مذكورة في الأنظمة الأساسية العائدة لهذه المراكز، تتعارض مع ما تتضمنه المادة السادسة من قانون النقابة".
وأبدت النقابة استعدادها لتقديم المساعدة القانونية وفقا لقانونها، لمن تنطبق عليهم الشروط.
وكان نقيب المحامين سمير خرفان، أشار في تصريحات سابقة الى ان النقابة "تلقت في الأشهر القليلة الماضية، نحو 200 طلب مساعدة قانونية، وكلف محامين بها، وهي تواصل جهودها مع الحكومة، ممثلة بوزارة العدل لحصر تقديم المساعدة القانونية بها".
من جهته، يرى اتحاد المرأة، كما تقول المحامية هالة عاهد، أن مسؤولية تقديم "المساعدة القانونية لمحتاجيها من الفقراء هو مسؤولية الدولة أساسا، وفي ظل تقصيرها تقدم المراكز هذه الخدمة".
وقالت ان دور هذه المراكز "يفترض ان ينحصر بتقييم الحالة فقط ثم تحويلها الى النقابة التي عليها تقديم هذه الخدمة"، مقترحة "ايجاد نظام احالة يستند الى تعاون المراكز والنقابة سويا للاستفادة من خبرات بعضهما".
تصاعد الخلاف بين "المحامين" وهذه المراكز يأتي في وقت تزداد فيه الدعوات في بلدان العالم لإدراج حق المساعدة القانونية ضمن الاهداف الانمائية للألفية، لما بعد 2015، إدراكا منها لأهمية تمكين الافراد، وخاصة الفقراء والمهمشين والمحرومين من الوصول الى العدالة، بحسب ما تقول تلك المراكز.
وفاقم مشكلة وصول الفقراء للقضاء، تعديل قانون محاكم الصلح العام 2008 الذي نص على التمثيل من قبل محامين في أي من الدعاوى الحقوقية التي تزيد قيمتها على 1000 دينار، ليشكل هذا تحديا إضافيا للفقراء ويسهم في زيادة حرمانهم بالوصول الى العدالة، بحسب دراسة لمركز العدل.
واشار المركز بدراسته الى "وجود ثغرة كبيرة في المجتمع فيما يتعلق بحق التقاضي والتمثيل أمام المحاكم، حيث أن الغالبية العظمى من المتهمين في القضايا الجزائية لا يتم تمثيلهم بنسبة تزيد على 70 %".
وأظهر المسح الميداني للدراسة أن "30 % من المتعرضين لإشكالات قانونية لا يتوجهون الى القضاء لأسباب تتعلق بعدم المقدرة المالية".