هل أذعنت الحكومة الأردنية للنفوذ الأمريكي والمال الخليجي ..؟؟

الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة

منذ تراجع مد الربيع العربي والانقلاب السيسي في مصر والإطاحة بالشرعية وسجن الرئيس المنتخب وقتل أكثر من أربعة ألاف مصري بريء بسبب مناصرتهم للشرعية بدأت الحكومة الأردنية بالتراجع المتواصل في الإصلاحات السياسية لا بل تراجع مد الاصلاح ونكثت الحكومة بوعود كثيرة متصلة بقوانين الاحزاب والانتخاب والحريات ومكافحة الفساد .الملفت أن الحكومة بدأت بالعودة الى طرقها القديمة في النيل من معارضيها ، وعادت لمحاصرة المعارضة والحراك فهي تارة تستقطب بعض معارضيها بالترغيب والوعود والجوائز ، وتارة تمارس محاصرة قوى الحراك والمعارضة وفي مقدمتها بالطبع جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب جبهة العمل الاسلامي . نتساءل هنا عن سبب استهداف جماعة الاخوان المسلمين وغيرها من القوى الاسلامية سلفية كانت أو تحريرية أو غيرها؟ الحزب الاسلامي الوحيد الذي يتمتع بحظوة ودعم حكومي ويعمل بحرية ونشاهد أعضاءه على شاشات التلفزة الرسمية هو حزب الوسط الاسلامي .هذا الحزب الذي شهدت مقراته خلافات ونزاعات وانشقاقات على خلفية تداخل مهامه وإمكاناته مع منتديات الوسطية الاسلامية ، وعدم التوافق على توزيع مغانمه ومراكزه وأشياء أخرى لا يتسع المجال لذكرها ،هذا الحزب بقي متماسكا وما زال حاضرا رغم هزاته الداخلية المتتابعة.
مرة أخرى لماذا تنخرط الحكومة الأردنية في مقاومة الحركات الاسلامية وخصوصا جماعة الاخوان المسلمين حيث تزايدت ممارسات الحكومة في اعتقال أفراد قياديين في الجماعة وكان آخرهم اعتقال نائب المراقب العام السيد زكي بني ارشيد والتهمة طبعا الإساءة لصفو العلاقات مع دولة صديقة .وهنا أتساءل أين حرية التعبير التي كفلها الدستور؟ وهل فعلا قيام بني ارشيد بانتقاد الامارات العربية المتحدة قد عرض علاقاتنا مع تلك الدولة للخطر؟ كيف لو انتقدنا أمريكا أو اسرائيل هل يمكن أن يتم اعتقالنا على اعتبار أن هناك علاقات صداقة وسلام مع الدولتين المذكورتين ؟ماذا عن انتقادنا لبورما وإفريقيا الوسطى وانتقادنا للمذابح الممنهجة ضد الاسلام والمسلمين هل يدخل هذا في باب الإساءة لصفو العلاقات بين الاردن وتلك الدول المجرمة؟ لم أقرأ يوما عن أن فردا ، وحتى لو كان ناطقا باسم حزب سياسي ، ينتقد دولة يمكن أن يحاكم على راية ويتم اعتقاله ولا استبعد أن يرسل الى محكمة أمن الدولة والتهم طبعا جاهزة !! 
برأينا المتواضع الحكومة الاردنية تدرك أن الإخوان المسلمين في الأردن يعملون ضمن ما تسمح به مواد وبنود الدستور التي كفلت حق ممارسة التعبير والنقد ما دام هذا النقد لا يتضمن فعلا أو ممارسة مادية تسيء للدولة. القضية أن الحكومة والنظام السياسي الأردني وبفعل عوامل تعود للنفوذ الأمريكي والضغوط الخليجية والهلع من المد الإسلامي في المنطقة بدأ النظام بالتحول من سياسة احتواء الإخوان المسلمين والتعامل معهم على اعتبار أنهم قوة سياسية كبيرة ومنظمة الى مهاجمتهم والتضييق عليهم .منذ عامين شهدنا هجوم كبير من القيادة السياسية على هذه الجماعة تبعه حملة اعلامية تتناول إمكانية حظر جماعة الإخوان حيث خرج علينا قبل أسابيع قليلة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور معروف البخيت لصرح بأن الدولة الأردنية قد فوتت فرصة مواتية لحظر جماعة الإخوان المسلمين بعد أن تم مثل هذا الحظر في مصر والسعودية. وفي الوقت الذي لم يأخذ بعض المتابعين للشأن السياسي الأردني تصريحات البخيت على محمل الجد بسبب مواقفه العدائية الكبيرة ضد الإخوان المسلمين فإننا كتبنا في حينها أنه ما كان للبخيت أن يدلي بمثل هذه التصريحات الهجومية بدون إيحاءات أو ربما توجيهات من النظام السياسي الذي يعاني من الارتباك وربما الخوف على استقراره أمام المد الاسلامي الداخلي والخارجي.
إن ازياد حدة الاستقواء على الإخوان المسلمين والمجاهرة بمعاداتهم برأينا يأتي في سياق الخوف من تعاظم القواعد الجماهيرية والشعبية المؤازرة للجماعات الاسلامية الرافضة للخنوع والظلم والتبعية لقوى استعمارية والتحالف مع إسرائيل التي تنكل بالمواطنين الفلسطينيين في فلسطين وتدنس مقدسات الأمة وتعرضها لخطر الهدم والانهيارات. الأردن أيضا على ما يبدوا أنه رضخ للإغراءات المالية وأثمرت التهديدات بقطعها في انصياع الاردن الرسمي لرغبات الخليجيين بمحاصرة جماعة الاخوان المسلمين التي يشعرون أن مدها في العالم العربي تهدد عروشهم وتسهم في تحول دولهم من دول القبائل الى دولا للشعوب. من المؤسف أن يخضع ولاة الأمر في بلدنا لمثل هذه الضغوط وقدموا مصالح دول الخليج وأمريكا على مواقف الشعب والجماهير التي أبت وما زالت تأبى إلا أن تكون في معسكر الحق وقارب الأمة .نعم ولاة أمورنا يغامرون باستقرار الاردن ويسهمون في توسيع الهوة الكبيرة بين المواقف الرسمية للدولة مع نبض الشعب وتطلعات الجماهير.