الذكرى الأولى لوفاة إبن الوطن: حكمت مهيار
اخبار البلد –الدكتور محمد طالب عبيدات*
تصادف اليوم الأربعاء الموافق 29/10/2014 الذكرى الأولى لوفاة إبن الوطن مدير الأمن العام الأسبق حكمت مهيار "أبا مطيع"، الفارس الذي ترجّل بعد مسيرة مليئة لا بل زاخرة بالعطاء والتفاني في خدمة وطنه ومليكه وأجهزتنا الأمنية قاربت المائة عام، والمُلفت للنظر أن المرحوم عاصر ملوك بني هاشم الأربعة، وتدرّج في سلك الجندية والعسكرية والأجهزة الأمنية ونال شرفها منذ العام 1933 فشارك في حرب 1948 في فلسطين ضمن قادة الجيش العربي المصطفوي، وتبوّأ مدير المباحث الأردنية في العام 1956 ولينتقل بعدها ليكون مديراً للأمن العام عام 1964 فمحافظاً للعاصمة.
عاصر المُخضرم المرحوم نشأة الدولة الأردنية ونشأة الجيش العربي المصطفوي ومراحل بناء المؤسسات الوطنية الأردنية العسكرية والمدنية منها، وساهم إلى جانب الشرفاء من أبناء الوطن في بناء المؤسسة العسكرية والأمنية لتكون منيعة وقويّة وتحافظ على أمن وإستقرار الوطن في أحلك الظروف، ولتصل للحرفية والمهنية والجاهزية الرفيعة.
واءم الباشا "أبا مطيع" بين الأصالة والمعاصرة ، فعاصر وواكب ملوك بني هاشم الأربعة، فقد خدم بمعية الملك المؤسس عبدالله الأول إبن الحسين ومروراً بالملك طلال بن عبدالله ثم عهد الملك الباني الحسين إبن طلال طيب الله ثراه، وعاش في عهد الملك المعزز عبدالله الثاني إبن الحسين المعظم، ليشهد مسيرة بناء الدولة وتطوّرها ووصولها إلى مرحلة الإستقرار والحداثة والعصرنة، ولهذا فقد.
تعرّفت شخصياً على العم أبا مطيع عن قُرب من خلال أبناءه –المهندسة سناء مهيار عضو هيئة مكافحة الفساد والدكتور الطبيب مطيع- والذين أعتز بمعرفتهم وصداقتهم فقد إستثمر في تعليمهم وتأهيلهم وإخوانهم ليساهموا في مسيرة الوطن، ولطالما حدّثوني عن بطولاته في حروب الجيش العربي في فلسطين لدرجة أن قصة أسره وزملائة في سريته لأكثر من ثلاثمائة جندي إسرائيلي في موقعة مستعمرة كفار عصيون قرب الخليل وتكتيفهم بأيديهم وتحرير المستعمرة منهم وإحضارهم للأردن لمعسكر الإعتقال في أم الجمال بالمفرق، قصتهم باتت معروفة للجميع وتذكر على أفواه زملائة وأحفادهم على سبيل الإعتزاز والفخر بإنجازات الجيش العربي المصطفوي. وقصة الإستعراض العسكري في عيد الجلاء بسوريا عام 1944، حيث خشيت سوريا وقتها بأن تكون طلائع الكتيبة التي ستشارك بالإستعراض مقدمة لإحتلال دمشق صوب مشروع سوريا الكبرى كأحد مشاريع الملك عبدالله الأول، فإقتصرت سوريا تمثيل الأردن على ثلاثين عسكرياً، وكانت الحنكة العسكرية بأن أختير أبا مطيع والأشاوس من طوال القامة العسكريين ليبهروا الحضور وترفرف أعلام الأردن وقتها من الطلاب الأردنيين الدارسين بدمشق وبترتيب من الطالب في جامعة دمشق وقتها المرحوم هزاع المجالي، وليمتزج عبق الحديث عن الباشا حكمت مهيار بعيق إنجازات المرحوم هزاع المجالي في صور بطولية ولا أحلى.
إسهامات وبصمات المرحوم الإنسانية تمثلت برئاسته لجمعية دار الأيتام الأردنية وعضويته في جمعية أسر الشهداء والعديد من الجمعيات الأخرى التي وضع بصماته الإنسانية فيها.
نموذجنا الأردني الفذ من أشاوس المؤسسة العسكرية والأمنية الوطنية والذي يشار له بالبنان في كلّ مراكزه العسكرية والشرطية والأمنية والإدارية والمدنية التي تبوّأها يعدّ مدرسة لا بل مسيرة في الدفاع عن الوطن وحفظ أمنه وخلق الطمأنينة والإستقرار على ترابه الطهور، لأنه عمل بشرف وأمانة وصدق لتتواءم رسالته النبيلة مع رسالة الأردن وثوابته القائمة على صدقيّة القيادة ونبل الصفات ومكارم الأخلاق وصدق الرسالة وشرف الأمانة ووضوح الرؤية ووسطية الطرح وإعتدال الفكر.
فارسنا وإبن وطننا الذي يعدّ نموذجاً يحتذى لدى أبناء الوطن المخلصين، نحن أحوج لأمثاله في هذا الزمان وخصوصاً في زمن الربيع العربي ليخلق حالة من الإنتماء الصادق للوطن بالعمل لا بالفوضى أو مطالبات الحرية اللامسؤولة، وما أحوج شباب اليوم أن ينهلوا من معينه الوطني الخصب ليتعلّموا من الرجال القدوة كيف يحملون همّ الوطن والأمة بدلاً من الضياع الذي يعيشه بعضهم!
كما أن هنالك واجب على مؤسسات الدولة كل حسب إختصاصه ليستفيدوا من تاريخ وتجربه هذا البطل وأمثاله الذين إنضم لمواكبهم وليلتحق بركبهم كالشهيد كايد المفلح العبيدات والشهيد وصفي التل والشهيد هزاع المجالي وغيرهم الكثير.
ومثلما تم تكريم المرحوم من قبل الدولة الأردنية وهو حيّ بحصولة على أربعة أوسمة، فإننا نتطلع لتكريمه وهو تحت الثرى، فالمؤسسات التربوية ممثّلة بوزارة التربية والتعليم والجامعات الأردنية أخالها الأولى بإظهار بطولات المرحوم في كتبها الدراسية، وأمانة عمان الكبرى أخالها السبّاقة لإطلاق إسم اللواء مهيار على أحدى الشوارع الرئيسة في عمان، وغيرها من المؤسسات ذات العلاقة.
أصحاب القصص الوطنية البطولية من أمثال العم "أبا مطيع" لا يموتون –وإن ماتت أجسادهم- بل تبقى صورهم وأفعالهم وإنجازاتهم في ذاكرة الأجيال المخلصة والشريفة التي أحبّت الوطن وفي ذاكرة الوطن أيضاً.
الفاتحة على روحه الطاهرة وأرواح شهداء ونشامى الوطن ممن أختارهم الله تعالى لجواره.
*وزير الأشغال العامة والاسكان الأسبق