ظاهرة "الزعرنة" السياسية في الأردن ..


الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة
العمل السياسي في الدول الديمقراطية يتسم بالفعالية والنشاط المبني على أسس المشاركة المتاحة لجميع الأطياف والجماعات السياسية الرسمية وغير الرسمية ،وهذه المشاركة السياسية تتخذ من الحوار السلمي والإقناع أساسا وديدنا للعمل السياسي وعليه فلا غرابة أن تجد العمل السياسي عملا راقيا يتم من خلال ممارسته تداول السلطة بأسلوب سلمي تنافسي بحيث يستمد النظام السياسي والحزب السياسي الفائز في الانتخابات شرعيته من إرادة الناس وصناديق الاقتراع. صحيح أن بعض الحوادث والفضائح السياسية تظهر في أكثر الدول الديمقراطية بين الفينة والأخرى ولكن هذه الفضائح تعد استثناء ولا تشكل قاعدة للعمل لسياسي في تلك الديمقراطيات.
المتتبع لواقع النشاط السياسي في الأردن يجد عجبا عجابا من سلوكيات وممارسات أقل ما يقال فيها أنها "زعرنة سياسية" تتجلى مظاهرها بسلوكيات بعض الوزراء والمسئولين بمنح أصدقائهم أو أبناء مناطقهم وأقاربهم مواقع ووظائف متقدمة في الدولة ابتداء من السفراء والمدراء والأمناء العامين ورؤساء الجامعات ونوابهم ، ووزراء يلعبون على "الحبلين" حيث يتنقلون بين الوزارة والمعارضة حسب مصالحهم ،وكذلك ممارسات بعض النواب في تحقيق مصالح خاصة مثل قانون التقاعد المدني للنواب وقانون جوازات السفر الدبلوماسية الذي يعطي هؤلاء النواب امتيازات غير متاحة للآخرين من المواطنين الذي أوصلوا هؤلاء النواب لمقاعدهم النيابية في الوقت الذي رفض النواب إحالة شبهات فساد إلى القضاء، ورؤساء وزراء سابقين يتغنون ليلا ونهارا بالعدالة والموضوعية والشفافية في الوقت الذي يدفعون بأبنائهم وبناتهم وأصهارهم إلى مواقع ما كان لهم أن يحلموا فيها لولا سطوة آبائهم.
الزعرنة السياسية في الأردن أيضا قد يكون أبطالها أحيانا السلطات الرسمية مثل ألأحداث التي تم فيها الإساءة لفعاليات الحراك السياسي ويمنع بعض الأحزاب من عقد مؤتمراتها السنوية عبر الإيعاز لأصحاب الفنادق بعدم اقامة هذه الفعاليات فيها وكذلك إحالة بعض النشطاء السياسيين إلى محكمة أمن الدولة بتهم إطالة اللسان والتطاول على المقامات العليا، فأي إطالة لسان وأي مقامات عليا يتحدثون عنها .
إن القوانين التي يستخدمونها للنيل من القائمين والمنظمين للحراك السياسي كقوانين إطالة اللسان وقدح المقامات العليا قوانين متخلفة وهي كما يشير القانونيون قوانين قادمة من العصور الوسطى عندما كان يدعي السلطان أو الحاكم صفات الربوبية أو بعض صفات الخالق وذلك من أجل قمع الناس وسوقها كالأغنام وإجبارها على الخنوع والخضوع للحاكم وإرادته التي هي من إرادة الله .ولعله من المفيد الإشارة إلى لجوء كثير من الأنظمة السياسية الفردية والتي تخشى على استمرارها وديمومتها من استخدام الشرعية الدينية والوراثية لتعزيز قبضها على الشعوب عن طريق تأليه الحاكم وتجريم نقده وقدح مقامه وإطالة اللسان عليه.
المسؤولين في الدولة وهم يشغلون مواقع عامة مدفوعة الأجر من ضرائب المواطنين معرضون بحكم هذه المواقع إلى المسائلة والاستجواب والمراقبة على أفعالهم وتصرفاتهم فكيف نقوم بقمع الناس لشتيمة أو نقد أو شعار متطرف قليلا ونحيلهم إلى المحاكم! أستطيع أن أتفهم أن يقوم متضرر بصفة شخصية باللجوء للقضاء جراء اتهام أو إساءة لسمعته شخصيا أو اتهام له بعدم النزاهة ولكني لا أستطيع أن أقتنع بهذا الإطار القانوني الذي يجيز للحكومة إحالة من تريد لمحكمة أمن الدولة بتهمة إطالة اللسان وقدح المقامات العليا.نعم لا أستطيع أن أفهم أن التعرض لشخص الملك تكون عقوبته وجزاءه التجريم وإنزال العقوبات القاسية في حين أن من يتعرض للذات الإلهية في العشرة الأواخر من شهر رمضان ربما لا يتم إيقافه ولا توجيه تهمه له على الإطلاق؟؟
الزعرنة السياسية تنعكس من تصريحات بعض الذين تدور حولهم شبهات الفساد في الأردن والتي تتضمن أنه إذا تم التعرض لهم واتهامهم فإنهم سيحرقون "الأخضر واليابس" ويفضحون أسماء كبيره ، وآخرون يتظاهرون ويحشدون أقاربهم ومؤيديهم ضد اتهامهم بالفساد وإساءة استخدام السلطة أثناء وجودهم في المواقع العامة، ونفر آخرون يتصيدون الفرص والمواقع الإدارية والتعهدات والعطاءات من خلال المآدب والدعوات والحفلات والنفاق والتزلف لأولي الأمر والسلطة، ونواب يستثمرون مواقعهم لتعيين ذويهم في مواقع متقدمة،ورؤساء مجالس أمناء جامعات يسكتون على سوء إدارة رؤساء الجامعات لقاء تحقق مصالح خاصة لهم ، وعاملون في بعض دوائر العسسس والأجهزة الأمنية يستخدمون نفوذهم وسلطاتهم في تعيين بعض الأشخاص في مواقع بغير وجه حق ومنع تعيين آخرين في مواقع يستحقونها بغير وجه حق!
الزعرنة السياسية تتخذ أشكالا كثيرة وفي مقدمتها الشللية في الوزارات والمؤسسات الحكومية وكلها تستهدف النيل من هيبة القانون والدولة ، وللأسف فإن شخوص رسمية وموظفين يشغلون مواقع متقدمة يسهمون في هذه الظاهرة السيئة والتي تزيد من الهوة الشاسعة بين وجدان الناس والنظام السياسي . مسؤوليات الملك بصفته القيادية للنظام السياسي أن يحيط نفسه بحاشية نزيهة يتم اختيارها على أسس الكفاءة والجدارة وكذلك فإن الملك مدعوا إلى التوجيه بإلغاء كافة القوانين المتخلفة التي تتعلق بما يسمى إطالة اللسان وقدح المقامات العليا حيث لم تعد تنسجم مع مرحلة التحولات الديمقراطية التي يطالب بها الحراك السياسي الأردني . 
المحافظة على هيبة الدولة الأردنية تقتضي من القيادة السياسية تغييرا جوهريا ونوعيا في أسلوب اختيار القيادات الإدارية والسياسية والدبلوماسية والأكاديمية والأمنية بحيث يتم ذلك على أسس كفاءتها ومدى ولائها للدولة وليس على أساس التصفيق والتعييش بمناسبة وبغير مناسبة.الزعرنة السياسية في الأردن خطر داهم على الدولة وعلى النظام السياسي يتولاها ويمارسها "الفهلويون"من المتعهدون والمقاولون والديجتاليون ووزراء وأمناء عامون وبعض رؤساء جامعات وبعض النواب الذين يعرفون اقتناص الفرص وكيف ومن أين تؤكل الكتف وهؤلاء ذاتهم سيكونون أول من يتخلون عن النظام عند تعرضه لأي نكسات أو تحديات صعبة لا سمح الله.