الدكتور صبري ربيحات يكتب : مدينة على شغاف قلب

أخبار البلد - 
على امتداد هضاب وصحاري ووديان الاردن تنتشر القرى والخراب والبلدات التي صنع ساكنوها الحب والفن والمجد والتاريخ....وتكتظ المنازل بالنساء والرجال الذين يتجادلون ويتخاصمون ويحبون ويكرهون دون الاكتراث لغير ما يمكن ان تحققه الاماكن وساكنيها لحاجاتهم ومنافعهم واحلامهم.... 
في وسط هذا الصخب والضجيج يختار نفر من المحبين ان يلملموا الشذرات التي لا يلقي الفرقاء لها بالا فتختار عيونهم ان لا ترى الى جمال المكان وتنشحن قلوبهم بحب من سكن المكان ويصبحون مثل كهنة المعبد لا شغل لهم غير خدمة الرب. 

في مدينة المفرق يقيم محمود كساب الذي امن باحلام الوحدة ومستقبل العروبة وظن بان للمدينة من اسمها نصيبا... فقد استبشر كما الكثيرين من جيله بان حركات التحرر ستقودنا الى مستقبل يبدد العتمة التي خيمت على عالمنا لقرون...وقد ظن ان في ميلاده الذي تزامن مع استقلال دويلاتنا وتشكل كياناتها مقدمة لفجر عربي جديد. 

مفرق الشرق العربي التي يوحي اسمها بعروبتها التي استعصت على روح التجاذب فهي لا ترى فرقا بين بغداد والشام او بيروت والرياض وعلى الطريق لحيفا ....مثل المفرق واهلها الذين جسدوا فكرة المدينة في وسط يعتز بالبداوة وحدود الديار وهيمنة اراء الشيوخ على كل اتباعهم من فرسان وعبيد اصبح التنوع ميزة تكسب المدينة قوة وغنى وجاذبية من غير الممكن ان تتحقق بدونها. 

لقد كان لمحطة القطار وخط التاب لاين وتوافد العائلات الشامية والعراقية والحجازية واليمنية والليبية والعلاقة المميزة بين المسلمين والمسيحيين بالغ الاثر في تشكل هوية المدينة 
التي احبها ابوكساب وكان احد رعاة تشكلها. 

ولانه مثل المفرق وملك لها فقد تعلم في مساجدها وكنائسها واطل مبكرا على حياة البحر وقاده القدر الى ان يتعرف على عمالقة السينما العالمية بعد اختياره لدور ثانوي في فيلم لورنس العرب ابان وجوده في العقبة... لم يكن دور منسق المشاهد الذي اسنده المخرج ديفيد لين لمحمود كساب مجرد صدفة ....فقد راى المخرج العبقري موهبة محمود وقدرته على التنسيق في ستينيات القرن الماضي . 

هذه الموهبة والحب والتقدير للفن والثقافة والانفتاح بقيت ملامح بارزة لشيخ من شيوخ ثقافتنا وحارس من حراس ذاكرتنا الجمعية التي غفل الكثيرين منا عن الوعي بتفصيلاتها.على عتبات المدينة العربية التي حرص ابنائها على ادامة روحها المتشبثة بالفرح تحتضن كل الابناء بدفء وود مسلمين ومسيحيين , بدو وحضر. مشارقة ومغاربة... 

في ليلة من ليالي اواخر الشتاء الماضي استجبت الى دعوة الصديق اسامة تليلان للقاء ثقافي في المدينة التي لا تزال قابضة على حلم الوحدة واقفة على مفترق الطرق بعد ان اعياها التفكير في التناقض بين اقوال وافعال القائمين على امورنا.....في حديثهم عن الوحدة 
واعمالهم القطرية. كنت بصحبة الشاعر المثقف جريس سماوي والصديقين احمد العون وطارق الخوالدة......في الرحلة التي نقلتنا من غرب عمان الى غرب سكة المفرق وفي مقهى الياطر الذي حوله الشباب الى منتدى ثقافي يقبل عليه اعضاء الملتقى الثقافي 
والمهتمون بالشأن العام تحدثنا قليلا وسمعنا الكثير وانتهى بنا اللقاء الذي صاحبنا فيه فريق 
من الباحثين الاتراك الذين جاءوا لتتبع اثار اللجوء السوري على الحياة في محافظات شمال 
الاردن. 
لم يكن يومنا ليكتمل دون ان نلتقي احد اهم نساكها وحراسها ومحبيها.....اصطحبنا الصديق فارس شديفات وخالد الشرمان والمحامي شاهر الزبيدي الى منزل الصديق امجد ابو زهرة قبل ان ينضم لنا الاخ اسامة بصحبة الرجل الذي احبته المدينة التي احبها وجلس بيننا مثل الشيخ بين المريدين . 

حدثنا محمود عن المدينة وتاريخها وساكنيها ....وروحها التي لا يعرفها الا من هم على شاكلة محمود كساب.تشعر وانت تستمع للرجل وكأن الكلمات اتت او مرت على شغاف القلب. 
اظن انني واصدقائي تعلمنا في تلك الليلة اهم الدروس في عشق الاوطان ....ولكن ليس على طريقة ويلك يا الي معادينا ....وانما بعشق الحياة والاحتفال بها فنا ونغما وفكرا وتقبلا وعطاء.