في غزة انقلب السحر على الساحر ...

كتب تحسين التل:- يعتقد اليهود أن إدامة الصراع العربي الإسرائيلي الى ما لا نهاية يعفيهم من جملة مشاكل؛ هم في غنى عن حلها في المدى المنظور، أو في المستقبل القريب، ولو تمكنت من إقناع الزعماء العرب بضرورة التنازل عن كثير من الثوابت، لربما فكرت إسرائيل كثيراً في إيجاد الحل النهائي لقضية فلسطين، وما إصرار القادة اليهود على يهودية الدولة إلا من أجل الحصول على التنازل عن حقوق عربية أهدرت بسبب الإحتلال.

إن الإعتراف الغربي، والعربي بقيام دولة إسرائيل هو اعتراف غير مقنع بالنسبة لما يفكر به اليهود للأجيال اليهودية القادمة. إنهم يفكرون بإعفاء جيل المستقبل من تبعات الإحتلال، وتبعات المجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني والعربي، وأية غرامات مالية يمكن أن تحكم بها المحاكم الدولية كتعويضات للعرب نتيجة الإحتلال، ومصادرة الأراضي، وقتل مئات الآلاف من الأطفال، والنساء، والشيوخ، والعزل من غير حملة السلاح في الحروب التي خاضتها الآلة الصهيونية منذ عام 1948 ويهودية الدولة تجعل من إسرائيل دولة شرعية قائمة كغيرها من الدول؛ دافعت عن أراضيها، وثرواتها، وكيانها، ومواطنها. دولة حقيقية خاضت الحروب عبر سنوات طويلة حماية لوجودها، وأمنها وأمانها.

يعلم الصهاينة أنهم قاموا بإنشاء دولة على أراض عربية، كان يطلق عليها؛ فلسطين المحتلة، واستطاعت أمريكا وبريطانيا.. بمساعدة العرب أن تجعل منها دولة ذات سيادة، واعترف بها أكثر من 160 دولة حول العالم، حتى أصبح يطلق عليها إسرائيل، وتناسى العرب كلمة فلسطين المحتلة إكراماً لأمريكا وبريطانيا والإتحاد السوفياتي والصين وفرنسا وحتى يرضى علينا اليهود ولا يتهموننا باللاسامية، ونسعى نحو السلام، ونبذ العنف، لكن اليهود حصلوا على دولة، وسلاح ردع استراتيجي، وهجرات متتالية لفلسطين، ومستوطنات آمنة وما زال العرب يعانون من التشرد، والطرد، والملاحقة، والقتل، والاعتقال، وسلب الحقوق المشروعة، وقطاع غير آمن تجري فيه تصفية بشرية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.

إسرائيل هي الدولة الوحيدة على وجه الأرض التي ليس لها حدود حقيقية، ولا شرعية، ولا قانونية، فالدولة (إذا جاز لنا التعبير استخدام كلمة دولة)؛ تتمدد وفق مصالحها خلال الحرب، وترتد الى الخلف في وقت السلم، ويمكن أن تحتل مناطق شاسعة كما فعلت في الجولان السوري، والباقورة الأردنية، وجنوب لبنان، وسيناء وتقوم بإعادتها ضمن اتفاقيات سلام لا تلتزم بها على الإطلاق.

إذن الحدود بالنسبة لإسرائيل مسألة تتعلق بالمزاج، وخاضعة لحسابات الربح والخسارة، وترمي الى إقناع العرب أن الدولة تدافع عن مواطنها إذا اقتضت الضرورة، وتحميه من خلال ضرب الحركات الإرهابية التي تنفذ عمليات في العمق الإسرائيلي، وتختبىء في المناطق المجاورة، وهذا بالعرف اليهودي ليس احتلال بقدر ما هو دفاع عن النفس، ودفاع عن الدول المحيطة بإسرائيل.

التمدد الإسرائيلي حدث في فترات سابقة ولا زال يحدث، في السبعينات تمدد الجيش الإسرائيلي وتوغل في الأراضي المصرية واحتل أجزاء كبيرة منها بحجة لجم الحركات الفدائية التي تسبب الإزعاج للكيان الإسرائيلي القذر، وتمددت في الجنوب، وفي الجولان، وسيطرت على أجزاء كبيرة من الأغوار بحجة الفدائيين، مع أنهم يعلمون أن العمل الفدائي لا يمكن أن يشكل خطراً على كيان الدولة القوي، لأن العمل الفدائي كان يدخل في باب الإستنزاف، أو الإستفزاز، والخسائر الإسرائيلية لم تكن ذات أهمية بالنسبة لهم، وكانت نتاج طبيعي للإحتلال، وعلى العكس من ذلك؛ كانت إسرائيل تقصف مراكز تجمع المنظمات الفلسطينية في الشمال، والوسط، كل يوم مقابل عمليات فدائية محدودة النتائج، واستشهد عدد كبير من المواطنين نتيجة العمليات التي كانت تنطلق من الأراضي الأردنية منذ دخول العمل الفدائي الى أرض المملكة بعد معركة الكرامة الخالدة التي انتصر فيها الجيش الأردني ومرغ أنوف الصهيانة في وحل الهزيمة، وكانت إسرائيل ارتكبت بعد هزيمتها في الكرامة مجزرة راح ضحيتها 150 شهيداً من أبناء مدينة إربد عام 1968 واستمر العدوان الإسرائيلي على الدول العربية بدعم من بريطانيا وأمريكا لذات السبب الذي تقوم عليه الحرب الآن في غزة؛ محاربة الإرهاب في غزة، والجولان، وجنوب لبنان والأردن في السبعينات كما يدعون... ؟!

إذا كانت إسرائيل تدافع عن كيانها العجيب باستهداف المناطق الساخنة، والتي تشكل خطراً على إسرائيل، والدولة على استعداد لتجييش الجيوش، وإطلاق الصواريخ، واستخدام الطيران لتدمير أي هدف يشكل خطراً على كيانها التي تطمح أن يكون يهودياً بالكامل، وينعم مواطنها الدخيل بالأمن والأمان، إذا كان الأمر كذلك، عليها أن تجلس على طاولة الحوار وتعيد الحقوق لأصحابها، وتعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة كاملة السيادة، وتدفع تعويض عن المجازر التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني والعربي بشكل عام، وتسمح للاجئين بالعودة وتعويضهم عن سنوات الحرمان في بلاد الغربة، عندها؛ وعندها فقط تعيش الدولة بأمان دون أن يضطر الجيش الوسخ بالتمدد طولاً وعرضاً وكأن العالم سيبقى طوع أمر إسرائيل الى ما لا نهاية.

إسرائيل كيان غريب من نوعه فهو؛ الكيان القذر، والكيان الغاصب، والكيان المحتل، والكيان المسخ.. الكيان الإسرائيلي؛ كيان ديمقراطي لكن ليس له علاقة بالحريات، فالذي يدير الدولة الإسرائلية هم العسكر أي أن الأحكام العرفية هي المسيطرة طيلة أيام السنة، وهو الكيان الذي تكثر فيه المعتقلات، والمعتقلين من الشعب الفلسطيني والتهم الموجهة إليهم هي: تهم مقاومة الإحتلال، والمطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية؛ يبدو عليها تهم إرهابية في السجل الأمريكي الصهيوني. وهو الكيان الذي يعتمد على السياحة والتي تشكل فيه عنصراً أساسياً لاستقطاب الأموال والمشاريع التي تعود بالفائدة على الدولة، لكن معارك إسرائيل الجانبية ومعركة غزة بالذات أضرت كثيراً بمشاريع الدولة الإسرائيلية الهالكة، لكن الغرب يمكنها من استعادة استقرارها الإقتصادي بعد كل مغامرة، لكن الى حين. إن صاروخ واحد من صواريخ المقاومة يطلق على مدن إسرائيل كفيل بهزيمة الروح المعنوية المنخفضة لدى الجندي الإسرائيلي، وكفيل بزعزعة ثقة السائح الغربي وحتى اليهودي نفسه، أو صاحب رأس المال الأجنبي الذي لا يجد له مكاناً للإستثمار في منطقة ملتهبة تتساقط عليها الصواريخ على مدار العام. والله إنهم يتألمون لكنهم يستندون الى عالم الغرب الذي يدعمهم بالسلاح، والمال، والقوة، والقرار السياسي.. النصر عليهم صبر ساعة من ليل أو نهار، قال تعالى: ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما.

نتمنى أن تستمر أخطاء اليهود طويلاً حتى يكون عقابهم شديداً؛ عندما تشكل لهم الأجيال القادمة محاكم سيصدر عنها أحكاماً يعجز عن وصفها التاريخ البشري فالجزاء من جنس العمل، ولن يستمر الحال على ما هو عليه، لأن حضارات عريقة سادت ثم بادت. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون...