حين تطاطأ رؤوس النخب مع صمت الدولة
محمد علاونة
في سابقة غريبة من نوعها وتحديدا في بلادنا فإن النخب بأنواعها وتشكيلاتها سياسية وإقتصادية، تطاطئ رؤوسها مع صمت الدولة بتفريعاتها أمام تحولات جذرية محلية وإقليمية، وكأنها تتماهى مع سياسات الدولة وتتلون مثلما تفعل أحياء البحار العميقة.
بعكس ما تشعله نخب في دول أخرى ومنها عربية بتشكيل تجمعات واصطفافات ترقى أحيانا إلى مستوى حكومات ظل تدلي برأيها وتعارض وحتى تشاكس، تجد الوضع لدينا وكأن العرس في بيت الجارة البعيدة، ولا يعنيها الأمر، رغم أنها المعنية بالدرجة الأولى في حال تغييرات في المنطقة أو تحولات بعينها وستمسها مباشرة بسبب جذورها المهمة.
الأغرب أن لدى تلك النخب فرصة غير مسبوقة لإثبات ذاتها والصعود باتجاه القمة، بسبب وقع الأحداث المؤلمة والمؤثرة من جهة، وبسبب الارتباك الرسمي الذي عم مؤسسات الدولة كافة، بدليل تناقضات واضحة عبرت عنها منابر رسمية تنتمي لنفس الحضن الرسمي القابع في الدوار الرابع.
لا ندري إن كان الخوف الشديد السبب في ذلك الصمت، أو إن كان هنالك فجوة عميقة ما بين هؤلاء وشرائح المجتمع العادية التي اصطف غالبها وتوحد على شكل احتجاجات ضد ممارسات «إسرائيل» ودول خارجية أو أمام ممارسات حكومية داخلية، فتلك الفجوة هي ذاتها الموجودة بين الشعب والدولة.
ذلك يشي بمدى الخطر إن كانت النخب لا ترقى لمستوى تحسس متطلبات الشعب ولا تشعر بالنواقص أو حتى أدنى الآمال التي يرنو إليها، فكيف يمكن أن تتحول فيما بعد لرموز في الدولة على شكل وزراء أو ممثلين على هيئة نواب، إذا كانت لم تصل حدود الاقناع أو الترحيب والرضا.
لعل بالإمكان أن يجد هؤلاء شيئا من العذر بسبب القوانين غير الحضارية مثل الانتخاب والاحزاب وحتى تلك المتعلقة برجال الأعمال مثل الاستثمار والصناعة والتجارة، لكن الأجدى أن تطالب تلك النخب بتعديلها وتحديثها كونها المعنية بالاساس وتمس أداؤها وأعمالها اليومية مرورا إلى المنصب كان وزاريا أم نيابيا.
في كل منعطف خطير تشهده المنطقة والإقليم، يتكشف كما كانت الجفاء موجودا بين فئات الشعب بعينها وبينها وبين نخب تمثلها وبين الدولة أيضا، وذلك سينعكس بالتالي على أداء الدولة تجاه مواطنيها أو في المحافل العالمية، فيبدو البلد أصغر مما هو حقيقي وأضعف مما هو خفي، وكله بسبب نخب اعتمدت دوما على الدولة التي أصبحت ريعية ليست للفقراء فقط إنما للرؤوس الكبيرة أيضا.