التحليل العلمي لمعان

د.مهند مبيضين
 

يُسهب الجلوس كالعادة في تحليل قضايا الأمة والوطن، نكتشف فجأة أن لدينا كتائب من المحللين، وفي كل مرة، الحديث عن معان ينتهي بذات النتائج، فشل التنمية والبطالة..الخ، ونهاية القول بأنها أزمة مفتوحة، لكنه ظل مصرا على أن يقول كلاماً مختلفاً، وهو الذي عمل هناك مطولاًعلى أبحاثة الانثروبولجية بعمق ومعايشة للناس، لكنه زمن يرتفع فيه صوت الساسة فقط، علماً بأن الانثربولوجيا كانت العلم الدال للغرب في تفوقه علينا حين تحكم في المنطقة، وإذا أردت أن تعرف اسرار الشعوب وكنههاورغائبها فارسل لها علماء الانثربولوجيا، كان ذلك التصور هو الذي عزز مكانة ذلك العلم وربطه بالحقبة الإمبريالية الاستعمارية في المنطقة.
لكن الباحث محمد الطراونه استاذ الانثربولوجيا في جامعة اليرموك والذي تعلم في افضل مدارس الاستشراق العالمية وهي المدرسة الألمانية التي احتجبت عن خدمة السياسي مطولاً إلى حد المغالاة باستقلايتها العلمية، والتي رأى ساسة ألمانيا في الحرب العالمية أن لا ضرورة لها، فحققت فصلاً بينها وبين السياسي،ما منحها الاستقلالية العلمية والحياد، وهكذا فإن الطراونه الوفي لمدرسته الألمانية في علم الانثربولوجيا مقل بالإعلام و اطلاق التصريحات، لكنه يرى معان وازمتها بشكل مختلف عما تراه النخب ورجال الأمن، وهو الذي عمل باحثا في مشاريع عدة هناك، ودرس أهمية التنمية والعوامل الثقافية والاجتماعية في الأسباب المؤدية اليوم إلى تنامي فجوة الثقة وتطرف المجتمعات.
وهو يربط ما يحدث اليوم في معان بالخارطة السكانية وطبيعة تشكل ودخول عناصر جديدة عليها باستمرار، وذلك نتيجة لتكوين معان الحديث في حالتيها الشامية والحجازية، وفي علاقاتها بالانماط الاقتصادية المعيشية المحيطة بها وبنوع المُلكية فيها، وغياب الحيازات عن أهالي القصبة، ووجودهم بين نمطي انتاج، زراعي في الشوبك وما جاورها، وبدوي رعوي ممثلا ببدو الجنوب وامتدادهم شرق وشمال وجنوب معان.
هذه المقاربة المبنية أيضا على دراسة خارطة الرفض في مواجهة السلطة، تقوم على تطويع العلم، علم الإنسان/ الأنثروبولجيا في دراسة المجتمعات وتحولات ومصائرها، والنتائج العلمية تظل متروكة لمساعدة السياسيين وصناع القرار على تحديد خصائص المدينة الثقافية وفهم الدور الذي تلعبه تلك الخصائص في صنع السياسة وطبيعة حراك المجتمع ومدى استجابته للسلطة أو قبوله بالقانون، وبالتالي تمكنهم من إيجاد السبل والآليات الناجعة للتعاطي مع منظومة العلاقات الناتجة، وتساعد في إدارة الأزمات والصراعات وفضها.
إن الوقوف عند الذي يتحدث به الباحث الطراونه يستحق الإنصات له، خاصة حين تصل الابحاث إلى أسباب غياب الثقة وتنامي فجوتها، والجهة الوحيدة التي يثق بها الناس ويقبلون بتدخلها في حل أزمتهم، وهو لا يأتي بالمستحيل، لكنه يقدم الممكن علمياً لأجل الوصول للحل، لكي لا تبقى تحليلاتنا عن أزمة معان تفتح الباب لسيل من الأفكار التي لا معنى لها، ولا وجود لقيمتها في فهم اسباب التوتر هناك.
ولا ننسى أخيرا أن الانثروبولوجيا حالها حال جميع العلوم الاجتماعية، تأخذ شكلا سياسيا بالضرورة لأنها تتعامل مع أهم واعقد مسألة: الإنسان- الرغبة، ما يجعل منها أداة فاعلة في تدعيم سلطة الثقافة المهيمنة على باقي الثقافات وفي تحليل أسباب الصراع.
Mohannad974@yahoo.com