دراسة حول قانون التنفيذ
أخبار البلد - ايمانا باهمية تعزيز العدالة و باهمية تكيف القوانين مع المواثيق الدولية التي صادق عليها الاردن و تم نشرها في الجريدة الرسمية و من منطلق مسؤوليتنا بالنهوض باحترام الحقوق الدستورية للمواطنين وتعزيز حقوق الإنسان فإن اللجنة القانونية لمركز جذور برئاسة المحامي الأستاذ مصلح فرح تتقدم برؤياها لقانون يمس مباشرة حقوق المواطن ألا وهو قانون التنفيذ رقم 36 لسنة 2002 وتعديلاته.
حبس المدين:
من حيث المبدأ فإن حبس "المدين" يتناقض مع المادة 11 من العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية التي تنص على "لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي"، وحيث أن المادة 22/أ من قانون التنفيذ التي تنص على "يجوز للدائن أن يطلب حبس مدينه إذا لم يسدد الدين أو يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المادية خلال مدة الإخطار على أن لا تقل الدفعة الأولى بموجب التسويةعن 25% من المبلغ المحكوم به..".
لذا فإننا نرى ضرورة إلغاء عقوبة الحبس "وخاصة أنها تأتي بطلب من الدائن" و ذلك احتراماً للعهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية والتي صادق عليها الأردن وتم نشرها في الجريدة الرسمية في حزيران 2006 التي توجب على الدول الاطراف الموقعة على العهد العمل بمضمون وأحكام العهد المذكور.
أما فيما يتعلق بالقانون المعمول به حالياً فإنه يشكل انتهاكاً صارخاً للدستور الأردني والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ايضا من حيث:-
أ-المادة 22/ج: تنص على "لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس 90 يوماً في السنة الواحدة عن دين واحد ولا يحول ذلك دون طلب الحبس مرة أخرى بعد انقضاء السنة".
ب-المادة 22/د: تنص على"يمكن استمرارالحبس بعد القضاء مدته من أجل دين آخر وذلك بناء على طلب الدائن نفسه أو دائن آخر".
إن المتمعن والقارئ لهذه النصوص يخلص إلى أن المدين قد يمضي عقوبة الحبس مدى الحياة فيما إذا كان مديناً لنفس الشخص أو الجهة أو لأربع أشخاص أو جهات، حيث يعاقب بالحبس بما لا يتجاوزالثلاث شهور عن كل دين، فإذا كان الإنسان متعثراً مالياً فكيف له أن يسدد أو يعمل على تسوية ضمن قدراته، اذا كان مدينا بأربع قضايا دين او اكثر سواء لنفس الشخص او الجهة او في حال تعددها وبكلمات أخرى فإن هذه النصوص تقضي بعقوبة الإنسان بعقوبة أكثر وأشد من عقوبة جريمة القتل احيانا.
كما أن استمرار الحبس وتكراره لكل عام يتناقض أيضاً بالإضافة لما ذكر مع المادة 14/7 من العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية التي تنض على "لا يجوز تعريض أحد مجدداً للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي" فالقانون يكرر العقوبة كل عام في حال تعذر المدين سداد دينه.
كما ان حبس المدين أيضاً يتناقض مع المادة 11/1 من العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمنشور أيضاً في الجريدة الرسمية بحزيران 2006 التي تنص على "تقر الدول لأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية، وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق".
فكيف لإنسان يقضي عقوبة الحبس أن يعمل على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأساسية لأسرته، وكيف له، أن يمارس حقه بتحسين ظروفه المعيشية، وكيف له أن يبدأ بتسديد ديونه و هو نزيل في السجن دون عمل او معين.
و السؤال الذي يطرح نفسه هل الفرد وحده هو المعرض لأن تتعثر ظروفه و يمر بضائقة مالية أم أن المؤسسات المالية والشركات الكبرى ايضا قد تتعرض لأكثر مما يتعرض له الفرد ومن ناحية اجتماعية فإن حبس الإنسان قد يدفع ببعض أفراد أسرته إلى سلوك غير سوي لا سمح الله لتأمين بعض متطلبات الحياة الأساسية و في استمرار اعمال عقوبة الحبس للمدين نكون قد سامهنا في زيادة معدلات السرقات و الجرائم و الاحتيال ... الخ.
ج-المادة 23/أ/1: تنص على "لا يجوز الحبس لموظفي الدولة".
إن هذه المادة تشكل انتهاكاً للمادة السادسة من الدستور التي تنص على أن"الأردنيون أمام القانون سواء" فكيف للقانون بالرغم معارضتنا من حيث المبدأ لعقوبة الحبس أن يستثني شريحة من المواطنين من الخضوع تحت القانون بالرغم من أي مبررات فالقانون من حيث المبدأ يجب أن لا يتناقض مع الدستور.
الإخطار (التبليغات):
المادة 14/أ: تنص على "يجب تبليغ إخطار إلى المدين قبل المباشرة في التنفيذ".
إن آلية التبليغ المتبعة حالياً تلحق أذى وإجحافاً بحق مواطنين نتيجة لسوء استخدام بعض المحامين الذين يلجأون إلى التبليغ بواسطة النشر لعلمهم أن الكثير من المواطنين لا يقرؤون الإعلانات وذلك بهدف إكساب الحكم "حكم الحبس والإعلام"الصفة القطعية وعدم تمكين المدين من عرض تسوية حسب مقدرته ودخله، كما أن التبليغ أيضاً بواسطة الإلصاق يلحق أيضاً ظلماً فادحا فربما لم يجد ورقة التبليغ.
لذلك فالاصل و المنطق يستدعي أن يكون التبليغ والإخطار شخصياً مهما كانت الظروف لأن الغالبية العظمى من القضايا يكون المدين معروف العنوان وله محامي يترافع عنه، فكيف بقدرة قادر يصبح المدين مجهول الاقامة ومجهول العنوان والمتتبع للصحافة يدرك الكم الهائل من هذه الإعلانات الصادرة عن المحاكم "دائرة التنفيذ" بتبليغ حكم القضية او الحكم بالحبس بواسطة النشر.
المادة 15: تنص على "تكليف المدين بالوفاء خلال سبعة أيام تلي تاريخ التبليغ".
و نتساءل كيف لإنسان مدين ومتعثر مالياً أن يكون مقتدراً على الوفاء بالدين خلال سبعة أيام حتى ولو كان التبليغ شخصياً وليس بالنشر" وهل من الممكن ولو افترضنا أن المدين يملك عقاراً أن يتمكن من بيع العقار خلال اقل من 7 أيام إذن فالمقصود من هذه المادة هو الوصول إلى طلب الحبس والذي كما ذكرنا يتناقض مع التزامات الأردن الدولية ومع العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية وفقاً للمادة 11.
الاستئناف:
المادة 20/أ: تنص على "يكون القرار الذي يصدره الرئيس قابلاً للطعن أمام محكمة الاستئناف خلال 7 أيام تلي تاريخ تفهيمه أو تبليغه"
هذا يعني أن المدين يفقد حقه الطبيعي بالاستئناف إذا تم تبليغه بواسطة النشر ولم يتسنى له قراءته أو العلم به، وفي هذا انتهاك لحق الإنسان باستئناف الحكم ضمن ظروف طبيعية و دون عقبات اخرى.
المادة 20/ب: تنص على "إذا كان الاستئناف يتعلق بقرار حبس فيتوجب على المحكوم عليه أن يرفق مع استئنافه كفالة من كفيل ملئ يوافق عليه الرئيس لضمان الوفاء".
إذا ما أخذنا أيضاً بعين الاعتبار ارتفاع تكاليف الاستئناف كرسوم و اتعاب المحاماة فكيف لإنسان متعثر مالياً أن يتمكن من الاستئناف لقضية أمام التكاليف الباهظة التي تشكل عائق للمواطن من اللجوء للقضاء للنظر بتظلمه. وأما الكفيل المليء فهذا راجع لتقدير رئيس دائرة التنفيذ. وفي معظم الحالات يتم طلب كفيل برهن وكفالة عقار. فمن اين لإنسان غير مقتدر و متعثر ماليا الحصول على مثل هذا الكفيل خاصة إذا كان أهله أيضاً محدودي الدخل؟ علماً بأن الحبس في معظم الحالات يكون ناجماً عن اكتساب الحكم نتيجة التبليغ بواسطة النشر.
التوصيات:
أولاً: العمل على إلغاء المادة 22/أ من قانون التنفيذ والتي تجيز للدائن حبس المدين وذلك احتراماً والتزاماً بالمادة 11 من العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية.
حيث أن من شأن إلغاء عقوبة الحبس للمدين أن تخفف من العبئ الملقى على عاتق الدولة وعلى كاهل مراكز الإصلاح التي تعج بالاكتظاظ بالموقوفين والمحبوسين على ذمة قضايا مالية وحقوقية مما يؤدي الى عدم احترام المعايير الدنيا لمعاملة النزلاء.
نقترح أن يتم استبدال عقوبة الحبس بالاكتفاء بالحجز على ممتلكات والأموال غير المنقولة للمدين وعلى حسم جزء من دخل المدين سواء كان راتباً أو من الدخل المتأتي له عن ممارسة عمله وذلك وفقاً لمقدرته المالية.
كما أن حبس المدين يؤدي الى حرمانه من تأمين الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الأساسية لأسرته وعائلته، كما أنها تزيد من تعثره المادي ازدياداً حيث لن يكون بمقدوره العمل أو الحصول على فرصة عمل وهو محبوس في مراكز الإصلاح او حتى على صعوبة الحصول على عمل "إذا ما عرف عنه أنه خريج حبوس".
ثانياً: على الدائن أن يتحمل مسؤولية قراره الفردي والذاتي بمنح المواطن أو التاجر قرضاً أو بيعاً لأجل، والأصل أن يكون البيع والتعامل نقداً أو بواسطة البنوك التي هي كفيلة بأن تتخذ الإجراءات لضمان ملاءة المدين أو العميل، ثم ما هو ذنب المواطن والمؤسسة و الشركة الخ دافعي الضرائب لأن يتحملوا مسؤولية الإنفاق على المحبوسين المدينين أو الموقوفين على خلفية قضايا مالية لقرار فردي لا ذنب لهم به، عاديك عن المسؤولية الأمنية و المالية المترتبة على الدولة لحماية مراكز الإصلاح وخدمة النزلاء.
لذلك فعلى الدائن (فرداً أو مؤسسة) أن تتحمل وحدها وزر قرارها.
ثالثاً: أن المطلوب ومن نظرة شمولية إلغاء المادة 22 التي تلحق ظلماً بالمواطن المدين والتي في حال بقاءها قد تعرض الإنسان لعقوبة الحبس أضعاف العقوبة في حال ارتكابه جناية إذ قد تصل عقوبة الحبس للمدين مدى الحياة إذا ما كان مدينا لأربع جهات مختلفة أو بأربع ديون لأن العقوبة متكررة و تصل الى ثلاثة شهور عن كل دين.
رابعاً: العمل على إلغاء المادة 23/أ/1لأن بقاءها يشكل انتهاكا للمادة 6 من الدستور التي تنص على أن المواطنين سواء أمام القانون فهذه المادة تستثني موظفي الدولة من عقوبة الحبس، إضافة إلى أنها تتعارض مع المادة 11 من العهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية التي لا تجيز حبس إنسان لعجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
خامساً: العمل على تعديل المادة 14/أ بحيث تحدد طريقة التبليغ بأن يكون شخصياً أو بواسطة المحامي الذي كان يترافع أثناء سير القضية في المحاكم الحقوقية، وذلك حتى نتجنب الالتفاف والتحايل بطريقة التبليغ سواء عبر النشر بالصحف أو الإلصاق، ولمعرفة الكم الهائل من التبليغات بواسطة النشر لنا أن نقدر حجم المشكلة و ذلك بالرجوع إلى الإعلانات المنشورة في الصحف اليومية.
سادساً: تعديل المادة 15 التي تنص على "تكليف المدين بالوفاء خلال سبعة أيام تلي تاريخ التبليغ" فكيف لمدين أن يتمكن من الوفاء بتسديد الدين خلال اسبوع وفي الحقيقة خلال 5 أيام عمل، على فرض أن المدين يملك عقاراً على سبيل المثال فهل بإمكانه بيع عقاره أو أن يتمكن من الحصول على قرض أو مبلغ من قريب أو صديق ، و من سيقرض متعثرا مؤسسة او فردا.
لذلك فالمطلوب أن يتم تمديد المدة الزمنية بحيث لا تقل عن 6 أسابيع قبل البدء بإجراءات التنفيذ على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمدين أو الحجز على جزء من راتب ودخل المدين في حال عجزه عن الوفاء بتسديد الدين.
لذلك نخلص الى ان الهدف من بقاء هذه المادة هو الوصول الى حبس المدين التي تتعارض من حيث المبدأ كما ذكر سابقا مع المادة 11 من العهد الخاص بالحقوق السياسية و المدنية.
سابعا: يجب ان تكون المدة الممنوحة لغايات الاستئناف خلال شهر تلي تاريخ التبليغ وثلاث شهور في حال كان التبليغ بواسطة الإلصاق أو النشر وذلك لحين الغاء طريقة التبليغ المذكورة المجحفة بحق المواطنين.
كما أن حق الاستئناف للمحكوم هو حق طبيعي و اساسي و هذا يتطلب ازالة العوائق و العقبات من حيث الرسوم والكفالة فكيف لمحكوم مدين أن يدفع رسوم لاستئناف واتعاب محام يتابع قضيته اثناء الاستئناف أو القدرة على تأمين كفالة تكون في حالات كثيرة مستحيلة في حال طلب كفيل له عقار أو كفيل مليء فهذا يعني تنفيذ حكم الحبس لعدم القدرة فالمطلوب إذن تمكين المدين من استئناف الحكم مجاناً و دون عوائق و عراقيل.
لذ فإن اللجنة القانونية ترى بضرورة بل بوجوب تعديل قانون التنفيذ رقم 36 لسنة 2002 وتعديلاته بما ويتلاءم مع العهدين الخاصين بالحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة و أن العالم آخذ باستبدال عقوبة الحبس على خلفية ارتكاب جنح وجنايات بعقوبات بديلة فما هو الحال إذا كانت عقوبة الحبس لمدين ضاقت به ظروف الحال.
ان إلغاء عقوبة حبس المدين من شأنه تعزيز صورة الأردن محليا و دوليا على صعيد احترام التزاماته الدولية وفقا للعهود و المواثيق التي صادق عليها الأردن و تم نشرها في الجريدة الرسمية.