نزاع تجاري.. لا استرداد لأموال منهوبة!

أخبار البلد - 

 
يبدو الأمر في منتهى السهولة؛ إذ بإمكان أي مسؤول اقتصادي استباحة المؤسسة التي اؤتمن على إدارتها، ونهب مئات الملايين من أموالها، ثم يغادر إلى عاصمة أوروبية. فننهمك نحن في جدل قانوني وإعلامي وشعبي حيال ما فعل، ليأتي بعد ذلك أوان "التسويات المالية"، فيقوم هذا المجرم -بلغة القانون- بالتفاوض مع الدولة عبر شبكة محاميه، على إعادة بعض من الملايين، لتطوى القضية بعد ذلك كأن شيئا لم يكن.
في التسريبات المتعلقة بملف "الفوسفات" الثقيل، ثمة ما يشير إلى وجود تسوية مالية سيكشف عنها في غضون الأسابيع المقبلة، يقوم بموجبها وليد الكردي، الذي كان رئيسا لمجلس إدارة "الفوسفات" (والمحكوم غيابيا بالأشغال الشاقة المؤقتة لسبعة وثلاثين عاما، إضافة إلى تغريمه 285 مليون دينار) بدفع جزء من المبلغ أو كله. وينص قانون الجرائم الاقتصادية على أنه "يحق للنائب العام التوقف عن ملاحقة من يرتكب جريمة معاقبا عليها بمقتضى أحكام هذا القانون وإجراء الصلح معه إذا أعاد كليا أو جزئيا الأموال التي حصل عليها نتيجة ارتكاب الجريمة". كما يحق للنائب العام إجراء المصالحة مع "حائز المال في حال رد المال محل الجريمة والمنافع المرتبطة به".
صحيح أن قانون الجرائم الاقتصادية جعل الباب مواربا من أجل استرداد الأموال (أو جزء منها) التي ضاعت في قضايا الفساد. لكن شكل ومضمون التسوية المالية المرتقبة ينطوي على إفراط في التفاوض، ذي دلالات خطيرة. فالمحكمة أقرت بالمبلغ الآنف على المحكوم الكردي، فيما شركة الفوسفات تدرس حاليا حجم الأضرار التي لحقت بها بسبب ما تم من فساد. ويبرز في الأثناء مسار ثالث يقترح تعيين خبير دولي لتقييم حجم المبلغ الذي سيعاد للشركة في التسوية المقترحة.
وبصراحة، فإنه في الوقت الذي توصلت فيه البشرية إلى العقوبة لردع المجرم والمجتمع معا عن ارتكاب الجرائم والسلوكيات التي تمس المال العام وحقوق الخزينة والشعب، فإن تسويات كتلك ستسقط الجريمة ويسقط معها الحق العام. وهو بالمناسبة حق للشعب وليس للحكومات التي لها صلة بالتسويات المالية ضمن قانون الجرائم الاقتصادية. وكلما مُنحت إعفاءات للمجرم شجعت غيره على ارتكاب الجريمة، وبما يتناقض مع مفهوم العقوبة بالمعنى الجزائي، والتي وضعت للردع.
والحالة هذه، فإن مآلات مسلسل الفساد في "الفوسفات" في حلقته الأخيرة، تذهب إلى أن الأمر نزاع تجاري يحتاج إلى خبراء دوليين وتسويات ومفاوضات، الطرف المدان فيها يتحدث بملء راحته وطمأنينته في بلاد بعيدة.
يكرر مسؤولون في الدولة أن "استرداد العنب أفضل من محاسبة الناطور". لكن بهذه الطريقة، سيتم تحصين المجرمين، وسنمهد لفترات لاحقة تتكرر فيها مأساة "الفوسفات"، وبحيث يدفع الشعب وحده ثمن الفساد ونهب الثروات.