الدكتور فوزي الحموري يكتب : «من أين تأتي الفلوس» ؟

أخبار البلد - 

أثناء إجراء عملية السحب النقدي من جهاز الصراف الآلي ، بادرني ابني بالسؤال :» بابا : من أين تأتي الفلوس ؟ « ،فكانت فرصة للبحث عن إجابة مقنعة ومختصرة لحكاية الفلوس التي تؤرق الجميع .

فعلا كيف تأتي الفلوس وبكثرة هذا العصر وتظهر أثارها في كل مكان ورقعة استثمارية في العالم والذي أضحى صغيرا باستخدام التكنولوجيا الحديثة ؟ ، وهل هذه الثروة الموزعة في كل القطاعات تعني نموا حقيقيا ام هي ظاهرة مزيفة يمكن أن تختفي مع الضربات الموجعة ؟ بل لماذا نشعر تحديدا بالضيق والحاجة على الرغم من توفر السيولة النقدية والكافية للتوسع في بناء الممولات واستيراد أنواع السيارات الحديثة والتوسع في بناء المشاريع الإسكانية بنهم وسرعة فائقة ؟
أسئلة مقلقة تبعثر في كل انجاز يتعلق بالضخ المالي الكبير في جميع الأنحاء والسؤال : من أين أتى هذا المال حيث أن مستخدمه ليس من خلفية ارثيه أو من طبقة اجتماعية غنية ؟ حقيقة مدهش وغير مستوعب ما يحدث لامتلاك هذه « الفلوس « وبكثرة وفي مجالات مختلفة وقطاعات استثمارية واستهلاكية والتفنن في العروض الخاصة والانتشار الواسع ليس على شكل طفرة وإنما بأشكال تثير في النفوس الحيرة والبحث عن تفسير مقنع لهذه «الفلوس « ومشاريع الأعمال الضخمة .
بالمقابل نرجع إلى حجم المواطن العادي في مجتمعنا والذي يعيش ضمن المستوى المتوسط أو اقل قليلا ويشكل نمطا يحتاج إلى عناية خاصة؛ فليس جميع فئات الشعب ممن يملكون تلك « الفلوس « الكثيرة وإنما تستحوذ عليها البنوك والمؤسسات التمويلية من خلال القروض والتسهيلات وفخ إعادة جدولة القروض بأنواعها المتعددة .
لا يمكن إنكار حجم التطور خلال السنوات الماضية وعلى المستويات كافة، ولكن لا يمكن تصور حجم النمو الواسع والمترافق مع الغلاء الفاحش ومع معاناة لا مبرر لها عند مقارنة الدخل المحدود مع المصروف غير المحدود.
في الأفق والذي أصبح يكتسي بالعمارات السكنية ثمة أسئلة عديدة تكشف عن واقعنا المعاصر وعن تفاصيل كثيرة ينبغي تدبرها بعمق لتروي حكايتنا مع مشوار الحياة وانحباس المطر هذه الأيام وترقب الغيم والابتهال إلى المولى برحمتنا من خلال إشاعة الرحمة في نفوسنا وغرسها بعناية علنا نصل إلى راحة البال بدل الشكوى والتذمر وندب الحظ والإدمان على الاستهلاك وعدم العمل من اجل الخير والسعي بالمعروف بين الناس .
وفي الأفق أيضا وعند سؤالنا عن القادم من الأيام والسنوات، يرتبط وللأسف الحديث عن مضمون ذلك «بالفلوس « وما يمكن قبضه وصرفه بسرعة تفوق تصور ما يمكن أن يحدث لنا جميعا في هذا الكون الشاسع والممتد من الم الحوادث إلى ترف العيش ورفاهية الحياة والى الفرق بين من يعيش حزينا وبين من يقدر على التفاؤل والأمل بالمستقبل .
وعودة للسؤال الرئيس والاستفسار عن الأهم من ذلك؛ تغذية الأرصدة المالية بالزكاة والصدقة وعمل الخير والشعور مع المحتاج الحقيقي للقمة العيش والحد الأدنى من متطلبات الحياة وليس من يملك ولا يملك إلا الأقساط المؤجلة لجميع بنود الحياة ولا يحمد الله أبدا على النعم .
ثمة فارق واسع بين من يملك وبين من لا يملك الفلوس و ثمة فرق واضح بين من يملك السيارات الفارهة والبنايات والثروات الطائلة وبيم من لا يملك سوى الدعاء للمولى جلت قدرته بان يخفف عن العباد ويرحمهم ويعفو ويغفر لهم ويرضى بما قسمه الله له ويسلم ويحمد حمدا كثيرا .
تأتي الفلوس وتذهب ولكن ومع هذا العمران المادي، هل نعي حاجتنا إلى العمران الروحي؛ لقد حصلنا على كل شيء إلا راحة البال وهدوء النفس تحت ظل شجرة وافرة ولقمة هنية وبساطة وعفوية وإيمان وثقة بالله عز وجل والرجاء برحمته الواسعة .
ولكن ولكن ... « من أين تأتي الفلوس ؟ « لم تجبني يا أبي ... عدت للوعي وللإجابة ولكن للأسف كانت بطاقة الصرف الآلي قد سحبت ولم افلح في إجابة شافية لابني...علي افعل ذلك عما قريب !