لا بواكي للصحافة الأردنية.. أين أخطأت إدارات الصحف؟!
أخبار البلد - علي سعادة
الوضع الطبيعي أن تثير الأزمة التي تواجهها الصحافة المطبوعة في الأردن ردود فعل عملية وقلقة من قبل الجهات الرسمية ممثلة بالحكومة، ومن قبل نقابة الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني، والأهم من قبل القراء.
وإذا كنا قد وصلنا إلى قناعة أن الحكومة لن تفعل شيئًا على قاعدة أن «الضرب بالميت حرام»، أو كما قال المتنبي: ما لجرح بميت إيلام، وأن مجلس النواب أثبت من خلال التجربة العملية أنه مثل «حريم السلطان» لا حول له ولا قوة، إلا في الغرف المعتمة والباردة من شدة الرطوبة والعفن!
وإذا كانت نقابة الصحفيين تكتفي بالحضور مشكورة إلى خيم ومقرات الاعتصام، وإصدار بيان هنا، وآخر هناك دون أن تفعل شيئًا حقيقيًا؛ بسبب أن القانون والمجالس المنتخبة بطريقة الفزعة والعلاقات الشخصية، تحصر مهامها في قبول العضوية، وفي بعض المهام الخدمية، فإن صمت القارئ على ما يجري في بعض الصحف، وما تواجهه من صعوبات مالية وإدارية يثير التساؤل حول حقيقة العلاقة بين الصحف والقراء، وهي علاقة كان يفترض أن تكون راسخة؛ لأنها امتدت لسنوات طويلة وبشكل يومي.
وهي علاقة أرَّخت لتاريخ الأردن الحديث الحافل بالأحداث والمواقف الساخنة والمتقلبة.
ومن حق القارئ أن يسأل عن البدائل التي يمكن أن تقدمها الدولة لاستمرار صدور صحف يفترض أن لها حصة فيها؛ حصة مالية وأخلاقية.
أنا شخصيًا ليست لدي أية معلومات تجيب عن سؤال: لماذا لا يكترث القارئ الأردني بأحوال الصحف والعاملين فيها؟!
ولا أخفيكم أنني شعرت بالغيرة والغضب عندما علمت أن مئات من القراء تدفقوا على مبنى صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية، بعد أن فتحت أبوابها للجمهور في تظاهرة تعاطف ومحاولة لإنقاذها من أزمتها، وصنف الكاتب والصحفي العراقي كرم نعمة ذلك بأنه «نوع من الوفاء من القراء لصحيفتهم المطبوعة، ودلالة التدفق لا تقف عند مئات من الجمهور الذين ازدحم بهم المبنى، بما فيه آن هيدالغو مرشحة الحزب الاشتراكي لرئاسة بلدية باريس، وإنما بالقيمة التي تمثلها الصحيفة الورقية لقرائها».
وتواجه الصحيفة التي أسسها جان بول سارتر عام 1973 أزمة بين هيئة التحرير والإدارة التي تسعى إلى إعادة هيكلتها بعد تراجع توزيعها؛ الأمر الذي يعني توقفها بشكل تدريجي عن الطباعة، والاكتفاء بموقعها الإلكتروني على الإنترنت.
وأعتقد أن الأمل الوحيد لبقاء الصحافة المطبوعة على قيد الحياة هو في تحديد القارئ (المواطن) موقفه من هذه الصحف، وربط مدير التحرير صحيفة «ليبراسيون» فابريس روسيلو مستقبل المطبوعة بموقف «قرائها الأوفياء».
هل كان خطأ الصحافة المطبوعة أنها لم تستثمر بالقارئ كما ذهبت الرئيس التنفيذي لدار «ميرور- ترينيتي ميرور» سلاي بيلي التي تقول إن «الاستثمار يجب أن يكون في القراء الأوفياء»؟! فيما يقول الكاتب في صحيفة «الغارديان» سيمون جنكنيز إنه «سيكون مسرورا جدًا لو كلف هذا القارئ نفسه الجهد والمال البسيط لشراء الصحيفة الورقية من الأكشاك، أو اتفق مع صبيان الصحف الذين يوزعونها صباح كل يوم من على دراجاتهم الهوائية».
هل مشكلة صحافتنا المحلية عدم وجود قراء أوفياء؟! وإذا كان الأمر كذلك من هو المسؤول عن عدم وجود مثل هؤلاء القراء: هل هي إدارات التحرير والكتاب والصحفيين الذين استسلم بعضهم لسلطة الرقيب؟
هل هي الحكومات التي أفقدت الصحافة المطبوعة أية مصداقية لها أمام القارئ؛ بدفعها تلك الصحف إلى إخفاء الحقائق والتغني بإنجازات الحكومة ومواقفها الوطنية والقومية؟ هل هي «النقابة» التي انشغلت بمعاركها الانتخابية وفي قانون العضوية بدلا من القيام بدورها في الدفاع عن المهنة وعن الحريات؟!
هل السبب هو ضعف الصحافة في مجال التسويق والمبيعات، وعدم قدرتها على طرح أفكار تطويرية جديدة للنهوض بأدائها المهني والإداري والمالي، والبحث عن مصادر دخل إضافية مثل الاستثمار في قطاعات أخرى؟!
هل حقًا أن المشكلة متعلقة بهروب القارئ إلى الإنترنت بدلا من الصحافة المطبوعة، وإذا كان هذا التحليل صحيحًا، لماذ لم تغلق سوى صحف ومجلات قليلة في الغرب، رغم أن مواطنيهم يعرفون «النت» منذ أكثر من ربع قرن؟!
ثمة معضلة حقيقة تواجه الصحافة المطبوعة في الأردن، ربما يكون أهمها عدم اكتراث القارئ الجيد. ولن نقول عدم اكتراث الحكومة والنواب، فالضرب في الميت -وفقا للفقهاء- حرام، وإكرام الميت في دفنه.